«مؤسس أوركت يتحدى خوارزميات الذكاء الاصطناعي بعريضة رقمية: هل ينجح إحياء الماضي؟»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
عاد أوركت بيوكوكتن، المهندس الذي أطلق شبكة «أوركت» من داخل «جوجل» قبل اثنين وعشرين عامًا، ليضع معركته الجديدة في مواجهة مباشرة مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي. عبر رسالة نُشرت على موقع المنصة ودعوة تفاعلية على «إكس»، دعا المؤسس البالغ من العمر 51 عامًا المستخدمين إلى تسجيل أسمائهم لدعم إحياء الشبكة المتوقفة منذ أكثر من عقد، معلنًا أن الهدف هو استعادة التواصل الإنساني وبناء مجتمعات الصداقة بعدما طغت المواد المولدة آليًا على الروابط الحقيقية.
«الذكاء الاصطناعي تقنية استثنائية، لكنه يفكك الفرضية الوحيدة التي جعلت الشبكات الاجتماعية مميزة: وجود إنسان على الطرف الآخر». بهذه الكلمات برر بيوكوكتن خطوته، مشيرًا إلى أن تحول المنصات على مدى عقدين نحو التغذية الخوارزمية أفرغ الفضاء الرقمي من الانتماء الصادق. لكن الدعوة الراهنة تقف عند حدود جمع التواقيع، إذ لم يكشف المؤسس ما إذا كانت هناك نسخة جديدة قيد التطوير الفعلي، ولم تحدد رسالته موعدًا للإطلاق، كما لم يتلق موقع «تك كرانش» ردًا على استفساراته الموجهة إليه.
تحمل ذاكرة المنصة ثقلًا تاريخيًا يفسر رهان مؤسسها؛ فقد انطلقت «أوركت» في عام 2004 كمشروع جانبي وسرعان ما جمعت قرابة 300 مليون مستخدم نشط، وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية في أسواق كبرى مثل البرازيل والهند، قبل أن تبتلعها منافسة «فيسبوك» وتغلقها «جوجل» رسميًا في سبتمبر 2014 للتركيز على «جوجل بلس» و«يوتيوب». غير أن محاولات العودة السابقة تظهر فجوة واسعة بين الحنين والقدرة على البقاء؛ فشبكة «هيلو» التي دشنها عام 2016 لربط المستخدمين بالاهتمامات توقفت عام 2020 بعدما جمعت مليوني تنزيل فقط. وتتعمق المفارقة بالرجوع إلى تصريحاته لمجلة «وايرد» عام 2024، حين أعلن عمله على منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتقريب المجتمعات، وهي المنصة التي لم تظهر حتى الآن.
يصل صدى هذه المحاولة مباشرة إلى غرف تطوير المنتجات الرقمية وإدارة المجتمعات في الخليج ومصر والشام؛ فالأزمة التي يشير إليها بيوكوكتن ليست شأنًا تقنيًا عابرًا، بل هي معضلة تشغيلية يواجهها اليوم كل مدير منتج ومسؤول منصة مجتمعية. مع تدفق المحتوى المولد آليًا وتراجع الثقة في التغذية المفتوحة، تتغير أولويات بناء المنصات محليًا نحو التركيز على شبكات مغلقة وموثوقة ترتكز على إثبات الهوية البشرية بدل ملاحقة كثافة النشر الخوارزمي. يصبح التحدي الحقيقي أمام الفرق التقنية في المنطقة هو الموازنة بين استغلال أدوات التوليد الآلي لخفض التكاليف، وبين حماية البيئة التفاعلية من فقدان المستخدم الفعلي لصالح تدفقات حسابات صامتة.
الحنين الرقمي لا يصنع بنية تحتية قادرة على الصمود. إن تجربة شبكة «هيلو» السابقة تؤكد أن جمع الأسماء عبر عريضة إلكترونية لا يكفي لمجابهة المنصات المهيمنة، ما لم يقترن بنموذج توزيع متماسك وآليات واضحة لاستبقاء الجمهور؛ فالسؤال العملي الذي تتركه هذه العودة يتجاوز اشتياق المستخدمين لبساطة البدايات، ليقيس مدى قدرتهم على مغادرة خوارزميات التغذية السريعة لصالح شبكة تبحث عن إنسان.