تخطَّ إلى المحتوى

«ما لا يمكن استيراده»: لماذا تعيد عمارة الصحراء رسم حدود الذكاء الاصطناعي في جدة؟

شارك المقال
«ما لا يمكن استيراده»: لماذا تعيد عمارة الصحراء رسم حدود الذكاء الاصطناعي في جدة؟
الصورة: eun kim / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

بينما تتسابق الاستوديوهات الهندسية على توليد واجهات المباني بنقرة زر واحدة، اصطدمت طفرة البناء المتسارعة في مدن المملكة بسؤال تقني وثقافي صامت: ما الذي تستطيع النماذج الحسابية تصميمه حقًا، وما الذي تعجز تمامًا عن استيعابه؟ في المؤتمر الدولي الخامس للعمارة والتصميم الذي استضافته جامعة عفت في جدة تحت شعار «من تراث الصحراء إلى إرث عالمي»، توقفت النقاشات عند مفارقة صريحة مفادها أن مستقبل التخطيط العمراني قد يتعلم من المستوطنات الصحراوية القديمة قدر ما يتعلم من خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

الأمر لا يتعلق بحنين نوستالجي إلى الماضي، بل بتفكيك هندسي دقيق لدور التقنية في البيئات القاسية. أوضحت ديميترا كانيلوبولو، الأستاذة في مدرسة باريس مالاكيه الوطنية العليا للعمارة في فرنسا، أن العمارة لا يمكنها إغماض عينيها عن الأدوات التقنية الحديثة التي تسهل الحياة، لكن الفارق يكمن في ما أسمته ذكاء العمارة العامية وخبرات التكيف مع المناخ الصحراوي المتوارثة عبر الأجيال. «ما لا يمكننا استيراده، وما لا يجب أن ننساه، هو ذكاء العمارة العامية، وكيف تعلم البشر العيش في الظروف الصحراوية الصعبة»؛ هكذا صاغت كانيلوبولو الحدود الصارمة لما تعجز النماذج الرياضية الجاهزة عن نقله من قارات رطبة إلى صحاري شديدة القيظ.

هذا الانقسام بين الحساب الآلي والخبرة الإنسانية حدده بوضوح الدكتور طارق رخا، المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي لشركة «Lamarr.AI» والأستاذ المشارك في معهد جورجيا للتقنية، حين شدد على ضرورة مقاومة تولي الذكاء الاصطناعي لممارسات التصميم الإبداعي نفسها. يرى رخا أن القيمة الكبرى للأنظمة الذكية تتجلى وراء الكواليس: في أتمتة استيعاب البيانات الهندسية، وفهم آليات البناء، والمراقبة الميدانية لتحسين الكفاءة، محذرًا في المقابل من مطاردة السرعة وخفض التكلفة التي تنتج مباني تفتقر إلى الجودة الحقيقية وتفقد الاتصال بالطبيعة البشرية.

الأثر العملي لهذا النقاش يمتد مباشرة إلى استوديوهات العمارة وشركات التطوير العقاري في الخليج ومصر. الاعتماد المفرط على أدوات التوليد البصري الغربية يفرض مخاطر تشغيلية ومناخية مكلفة، لأن النماذج العالمية دُرّبت على بيئات معتدلة تتجاهل فيزياء التهوية الطبيعية، وتوزيع الظلال، وتقنيات الرواشين التقليدية في مدن مثل الوجه وجدة القديمة. المهارة المطلوبة اليوم من المهندس الاستشاري لم تعد إتقان أوامر التوليد الآلي، بل امتلاك القدرة النقدية على تدقيق مخرجات الخوارزميات وتطويعها لبيانات الموقع الجغرافي، وحصر دور الذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد ومراقبة مواقع الإنشاء لتقليص الهدر المالي.

التحول الذي عكسته أوراق العمل الـ 122 المشاركة في المؤتمر من 25 دولة يؤكد أن معيار النجاح لم يعد سرعة تسليم المخطط ولا ارتفاع الأبراج. الرهان الفعلي أمام صناع القرار العمراني يكمن في بناء مساحات تحتفظ بهويتها الثقافية وتتحمل بيئتها المناخية، بدلاً من ملء المشهد العمراني بمبانٍ براقة تُدار بخوارزميات تجهل قسوة الصحراء.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد