سباق الغيغاواط في الشرق الأوسط: تقرير الطاقة العالمي يضع وفرة الشبكات أمام اختبار الحوسبة الفائقة
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
لم تعد المعضلة الكبرى أمام توسع الذكاء الاصطناعي محصورة في وفرة السيولة النقدية أو توريد رقائق المعالجة المتقدمة، بل انتقلت الثقل إلى قابس الكهرباء وقدرة شبكات التوزيع على تغذية مجمعات الحوسبة. في هذا السياق، يرصد تقرير الطاقة العالمي لعام 2026 الصادر عن الهيئة الدولية لمراكز البيانات (IDCA)، تحولًا نوعيًا في بوصلة الاستثمارات العالمية نحو الشرق الأوسط، مدفوعًا بأزمة طاقة خانقة وقيود تنظيمية تكبل التوسع في أسواق تقليدية راسخة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية.
تستهلك مراكز البيانات حول العالم حاليًا قرابة 2 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء العالمي، مع توقعات تشير إلى قفزة في استهلاك مراكز الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المئة، ما يضع شبكات الطاقة تحت ضغط غير مسبوق. وعلى النقيض من هذا الاختناق، لا يتجاوز استهلاك مراكز البيانات في الشرق الأوسط 0.5 في المئة من إجمالي كهرباء المنطقة، وهو هامش واسع يمنح المنطقة ميزة تنافسية استثنائية لاستيعاب الجيل القادم مما بات يُعرف بمصانع الذكاء الاصطناعي، بحسب توصيف رئيس الهيئة ومؤسسها مهدي باريافي، الذي شبّه مراكز الحوسبة بمصافي العصر الحديث التي تتولى تكرير البيانات بصفتها أثمن موارد البشرية.
الأرقام الراهنة تكشف عن تركز واضح في بنية الحوسبة الإقليمية: يبلغ إجمالي استهلاك مراكز البيانات في المنطقة نحو غيغاواط واحد، تستحوذ السعودية والإمارات وحدهما على نحو 80 في المئة منه، بواقع 440 ميغاواط في المملكة و340 ميغاواط في الإمارات. وتستند السعودية، المصنفة في المرتبة 44 عالميًا على مؤشر الجاهزية الرقمية للهيئة، إلى رؤية تستهدف الوصول بقدرات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى 6 غيغاواط بحلول عام 2034، مدعومة بمبادرات كبرى مثل شركة «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، ومركز «هيكساغون» التابع لـ«سدايا»، ومشغلين وطنيين مثل «سنتر 3» و«موبايلي» و«داتا فولت». وفي المقابل، عززت الإمارات حضورها التشغيلي باعتماد محفظة شركة «خزنة» بالكامل عبر الهيئة، بينما أطلقت سلطنة عُمان مشروع «المثلث الرقمي العُماني» بنية لنشر 9 غيغاواط من تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع تميز موقعها كمركز حوسبي أقل تعرضًا للتوترات الجيوسياسية.
هذا الزخم لا ينفصل عن حراك أوسع يمتد عبر الإقليم؛ فمصر التي يتجاوز سكانها 100 مليون نسمة تراهن عبر استراتيجيتها الوطنية على رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7.7 في المئة من ناتجها المحلي بحلول 2030، بينما يطور الأردن خارطة تحوله الرقمي، وتكثف الحكومة العراقية جهودها لجذب مستثمري البنية التحتية. غير أن باريافي يضع الإصبع على التحدي الحقيقي الذي يواجه المنطقة، محذرًا من أن تداعيات الصراعات الإقليمية وعدم اليقين تمثل العقبة الأكبر لجلب الرساميل، ما يفرض ضرورة تسريع التكامل العربي في الحوكمة، وبناء أطر واضحة لنقل البيانات عبر الحدود، وتأميم معايير موحدة تعزز القوة التفاوضية للمنطقة ككتلة اقتصادية متماسكة.
هذا التحول الميداني يعيد صياغة القرارات التشغيلية للقيادات التقنية في المنطقة: إذا كنت تدير البنية التحتية لمصرف في الخليج أو شركة ناشئة في مصر أو الشام، فإن التوسع المحلي في الحوسبة الفائقة يعني بالضرورة انخفاض الاعتماد على سحب الاستدلال البعيد في مراكز أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يقلص زمن الاستجابة ويمنح المنتجات الرقمية سرعة فائقة. لكنه في الوقت ذاته يفرض متطلبات امتثال صارمة حول توطين البيانات الحساسة على الخوادم المحلية، ويحول مهارات الفرق الهندسية من إدارة الاشتراكات السحابية الجاهزة إلى ضبط استهلاك الطاقة، وإدارة التبريد عالي الكثافة، وهندسة المعمارية الهجينة التي تتوافق مع الأطر التنظيمية لنقل البيانات بين الأسواق العربية المشتركة.
إن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد سباق خوارزميات مجردة، بل أصبح معادلة بنية تحتية ثقيلة تتقاطع فيها شبكات الكهرباء ومحطات التبريد مع السياسات الرقمية؛ ومن يستطيع اليوم في المنطقة تأمين سعات الطاقة وتوحيد مسارات البيانات، هو من سيملك حق تشغيل الجيل القادم من نماذج التفكير والاستدلال.