«كبح جماح الحافة»: أنثروبيك وأوبن إيه آي تتجهان نحو إبطاء تطوير النماذج الفائقة وفرض مدققين مقيمين
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
لم تعد الدعوة إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مجرد تحذير أكاديمي معزول، بل تحولت إلى مبادرة سياسات يقودها كبار مطوري نماذج الحافة في وادي السيليكون. طرح الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، خطة مفصلة تستهدف كبح سرعة التقدم في النماذج الفائقة، معلنًا التزام شركته المنفرد بتطبيق أولى خطواتها، وسرعان ما لاقت المبادرة تأييدًا صريحًا من الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، سام ألتمان، إلى جانب إيلون ماسك، في مشهد يعكس اتجاهًا جديدًا لإدارة وتيرة السباق التقني.
جاء هذا التحرك في أعقاب تصاعد الجدل الداخلي حول أمان النماذج، والذي تجسد في استقالة باحث الأمان جيكوب كوكسون من أنثروبيك بداعي القلق من تسارع المخاطر الوجودية. ورغم أن أمودي لم يذكر الاستقالة صراحة، إلا أنه استند إلى واقعتين محددتين لتبرير الحاجة إلى نهج أكثر حذرًا: واقعة اختراق أوبن إيه آي وهوغينغ فيس، والوتيرة المتسارعة التي باتت النماذج تطور بها قدراتها لبناء الأجيال التالية من الأنظمة الذكية. إن إبطاء تحسين القدرات لا يعني تجميد التقدم، بل يهدف إلى كسب وقت كافٍ لبناء حواجز حماية فاعلة قبل فوات الأوان.
ترتكز خطة أمودي على ثلاثة مسارات رئيسية، تبدأ بدمج مدققين خارجيين مستقلين من مؤسسات متخصصة مثل «إم إي تي آر» داخل مقار الشركات. يُمنح هؤلاء المفتشون بطاقات دخول ومكاتب وحواسيب محمولة وصلاحيات وصول شبيهة بما تمتلكه فرق تقييم المخاطر الداخلية، على غرار المراقبين الماليين المقيمين في المصارف الكبرى، لضمان الامتثال الصارم والتأكد من الإبلاغ عن الحوادث، ولا سيما بعد الانتقادات التي واجهتها أوبن إيه آي لعدم إبلاغها عن حادثة استيلاء وكلائها على منتدى ويكي ألماني.
يمتد المسار الثاني نحو تنسيق معايير الأمان بين المختبرات الرائدة في الدول الديمقراطية، وهو ما يتطلب من الحكومة الأمريكية إصدار استثناءات محددة من قوانين مكافحة الاحتكار لتمكين هذه الحوارات. ولدفع حجة الهيمنة الصينية التي تُرفع عادة ضد أي إبطاء، يرى أمودي أن تشديد ضوابط التصدير على الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، جنبًا إلى جنب مع ملاحقة تقطير النماذج، كفيل بتأخير بكين وتوسيع الفارق لصالح واشنطن لثلاث إلى خمس سنوات، وصولًا إلى مسار ثالث يسعى إلى تفاهمات دولية محددة تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج أسلحة بيولوجية. في المقابل، يرى نقاد الصناعة، ومنهم الصحفي بريان ميرشانت، أن هذه المقترحات قد تكرس شكلاً من الاستحواذ التنظيمي الذي يخدم مصالح الشركتين تحت غطاء السلامة العامة.
في متابعتي لمسار هذه المقترحات، أرى أن ارتداداتها تصل مباشرة إلى صناع القرار والمهندسين في الخليج ومصر والمشرق العربي. إن توجه المختبرات الكبرى نحو إبطاء إطلاق الأجيال الجديدة يمنح المؤسسات المالية والجهات الحكومية في الرياض وأبوظبي مساحة استقرار ثمينة، إذ يقلل من وتيرة تقادم المعماريات البرمجية المعتمدة حاليًا، ويتيح لفرق العمل المحلية بناء تطبيقات مؤسسية عميقة دون القلق من اضطرارهم لإعادة هندسة خطوط الإنتاج البرمجية كل بضعة أشهر. وفي المقابل، فإن التلويح بملاحقة «تقطير النماذج» لحماية التفوق الأمريكي يضع تحديًا تشغيليًا أمام الشركات الناشئة وفرق التطوير في القاهرة وعمان ودبي، والتي تعتمد في بناء حلولها التنافسية على استخلاص أوزان ومعارف النماذج العملاقة لتدريب نماذج مفتوحة المصدر أو مخصصة ذات تكلفة استدلال منخفضة. ضع في حسابك أن أي تضييق قانوني على تقطير النماذج سيرفع كلفة التشغيل المباشرة، مما يفرض إعادة النظر في الاعتماد الكامل على واجهات البرمجة الاحتكارية.
تدرك أنثروبيك أن استعادة الثقة تتطلب خطوات عملية لتنظيم السباق بدل التدافع غير المنضبط، مما يوضح أن المنافسة المقبلة لن تنحصر في إضافة معلمات حسابية جديدة، بل ستتركز حول تحديد من يملك حق صياغة معايير التدقيق ومراقبة الحافة التقنية عالميًا.