دليل سعودي يضع الذكاء الاصطناعي أمام اختبار الثقافة والملكية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
في القطاع الثقافي، لا يبدأ سؤال الذكاء الاصطناعي من سرعة إنتاج صورة أو نص. يبدأ من سؤال أصعب: من يملك العمل، ومن يقرر صورته النهائية، وما الذي يحدث للبيانات والتراث حين تدخل الأدوات الجديدة إلى عملية الإبداع؟ هذا هو المجال الذي يستهدفه دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي» الصادر عن وزارة الثقافة السعودية، بوصفه وثيقة إرشادية لتوظيف التقنيات بصورة واعية ومسؤولة وعادلة.
الدليل، وفق المادة المنشورة، لا يقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً من المبدع. فهو يؤكد بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية والصياغة الفنية النهائية، ويضع التقنية في موقع الأداة المساندة التي تدعم قدرات المبدعين. هذه النقطة مهمة لأن النقاش الثقافي لا يتعلق فقط بما تستطيع الأداة إنتاجه، بل بمن يبقى مسؤولاً عن القرار الفني وعن العمل الذي يحمل اسمه.
الإرشاد يمتد إلى 11 قطاعاً ثقافياً يستهدف الدليل المؤسسات والممارسين الثقافيين ومطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويعرض أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع من قطاعاته الأحد عشر. كما يسعى إلى تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورة مسؤولة، مع رفع الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة بها. هذا الاتساع يضع مطوري الأدوات إلى جانب مستخدميها، بدلاً من اختزال المسؤولية في الفنان أو المؤسسة الثقافية وحدهما.
ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداة لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول إلى المحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها. وتربط هذه المبادئ بين ما يبدو أحياناً مسارات منفصلة، مثل حقوق المؤلف والبيانات والهوية الثقافية، في إطار واحد لاستخدام التقنية.
الإفصاح ليس تفصيلاً شكلياً يطلب الدليل الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف والملكية الفكرية. لا تضيف المادة المنشورة آلية تنفيذ أو عقوبات، لكنها تحدد بوضوح عناصر ينبغي أن تبقى حاضرة في العمل الثقافي عند استخدام هذه الأدوات. وهذا يفتح أمام المؤسسة أو الممارس قائمة عملية من الأسئلة قبل النشر أو الإنتاج: هل عُرف استخدام الأداة، وهل وُجدت الموافقات، وهل فُحصت البيانات والمخرجات؟
الدليل وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في السعودية. وهو يتوافق، بحسب المصدر، مع إرشادات الهيئة السعودية للملكية الفكرية وتوصية اليونيسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن سدايا. لذلك لا ينبغي تقديمه بوصفه نظاماً جديداً، بل كإطار يساعد العاملين على فهم الاستخدام المسؤول ضمن القواعد القائمة.
إشارة تتجاوز السوق المحلية ما يهم العاملين في الخليج ومصر وبلاد الشام ليس نسخ الدليل خارج سياقه، بل قراءة نوع الأسئلة التي يمنحها أولوية. في منطقة تعمل على توسيع المحتوى الرقمي وحفظ التراث وتطوير الصناعات الإبداعية، يصبح التعامل مع الأصالة الثقافية ونسبة الأعمال والبيانات والخصوصية جزءاً من قرار استخدام الأداة، لا مراجعة متأخرة بعد الإنتاج. وقدمت وزارة الثقافة هذا الربط صراحة حين وضعت حفظ التراث وإدارته وتوسيع الوصول إلى المعرفة والمحتوى ضمن أهداف الإصدار.
القيمة الفعلية للدليل ستتضح في طريقة استخدامه داخل المؤسسات والمشاريع، لا في وجوده كوثيقة وحدها. أما ما تثبته المادة المنشورة الآن فهو انتقال واضح من سؤال ما الذي يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي إلى سؤال كيف يستخدمه القطاع الثقافي من دون أن يتنازل عن المسؤولية والأصالة والحقوق.