تخطَّ إلى المحتوى

الإمارات تحجب مواقع مراكز البيانات وتوزع مشروع «ستارغيت»: الحوسبة بنية عسكرية تحت وطأة التهديد الجوي

شارك المقال
الإمارات تحجب مواقع مراكز البيانات وتوزع مشروع «ستارغيت»: الحوسبة بنية عسكرية تحت وطأة التهديد الجوي
الصورة: Brecht Corbeel / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

لم تعد مرافق الحوسبة السحابية مجرد منشآت عقارية وتقنية في الحسابات الخليجية، بل تحولت إلى أصول سيادية تصنف في صدارة البنى التحتية الحرجة التي تتطلب حماية عسكرية مباشرة. هذا التحول كشف عنه وزير الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بعد في دولة الإمارات، عمر سلطان العلماء، خلال جلسة مشتركة مع مارك بينيوف الرئيس التنفيذي لشركة «سيلزفورس» ضمن فعاليات مؤتمر «دريم فورس 2026» في سان فرانسيسكو، معلنًا إعادة صياغة الإطار التنظيمي لمراكز البيانات ووقف الإفصاح العام عن مواقعها الجغرافية لحمايتها من الاستهداف العسكري، مع توقع فرض تدابير مماثلة في دول أخرى قريبًا.

تنطلق هذه المقاربة الدفاعية من تقييم استراتيجي يرى أن مراكز الحوسبة باتت أكثر حيوية من شبكات النقل التقليدية، إذ أوضح الوزير أنها تفوق الجسور والطرق والأنفاق أهمية لارتباط تفاصيل الحياة اليومية والاقتصادية كليًا بالأجهزة الرقمية المتصلة. ويأتي هذا التغيير مدفوعًا بتجربة ميدانية واجهتها المنطقة منذ تصاعد النزاع العسكري في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حيث تعرضت الإمارات لأكثر من ألف مقذوف وطائرة مسيرة في الأسبوع الأول وحده، مع وصول الصواريخ المنطلقة من إيران خلال دقيقتين فقط، قبل اعتراضها بنجاح دون تسجيل خسائر بشرية أو شلل في الأنشطة التجارية، بعدما تصدت المنظومات الدفاعية لتهديدات فاقت ما اعترضه الشرق الأوسط مجتمعًا.

الدرس العسكري الأبرز لم ينعكس على منصات الدفاع الصاروخي وحدها، بل دفع الدولة إلى تفكيك تركز بنيتها الرقمية وتوزيع مشروع مركز الحوسبة الوطني «ستارغيت» على عقد متعددة. لم تكتفِ السياسة الجديدة بحجب الإحداثيات الجغرافية عن التداول العام، بل توسعت نحو تطبيق اللامركزية عبر تنويع مرافق الاستضافة محليًا، وتوزيع الأصول الرقمية خارجيًا بالاستثمار في منشآت حوسبة بديلة مثل ألمانيا، لضمان استمرارية المعالجة السحابية في حال تعرض أي موقع لضربات مباشرة.

ويتباين هذا التوجه الرسمي الحاسم مع المشهد العام في الولايات المتحدة، حيث تشهد مراكز البيانات معارضة محلية وشعبية عابرة للاستقطاب الحزبي والجغرافي، من نبراسكا وتكساس ووايومنغ إلى بنسلفانيا ونيو مكسيكو، على الرغم من الدعم الذي تبديه إدارة دونالد ترامب. وعلى النقيض من قيود التوسع الغربية، حذر العلماء من تكرار الانتكاسة المعرفية التي شهدها العالم العربي والإسلامي قديمًا، حين انحسر التقدم التقني للمنطقة بين عامي 813 و1515 ميلادية بعد حظر مطبعة غوتنبرغ لقرنين بسبب مخاوف التضليل وتغيير النصوص، مؤكدًا أن الخوف لا يجب أن يعطل مواكبة النماذج التأسيسية.

وفي التطبيق العملي للخدمات الحكومية، ترسم الاستراتيجية حدودًا فاصلة بين تبني الذكاء الاصطناعي والمغامرة الأمنية، إذ تعمل المنصات العامة مثل بوابة «تم» في أبوظبي بنماذج لغوية قديمة ومستقرة، وتتجنب إدخال الأنظمة الرائدة حديثة الإطلاق مثل «أسترا» من «أوبن إيه آي» أو «فيبل» من «أنثروبيك»، نظرًا لمخاطر الثغرات السيبرانية وتسريب البيانات الحساسة. الحذر التنظيمي يفرض نفسه أيضًا عبر حظر الشرطة التنبؤية منعًا للاتهامات الخاطئة، مع تركيز النشر على رفع جودة الحياة مثل إنهاء إجراءات السفر البيومترية في المطارات دون مكاتب تقليدية. وتوازي هذه الخطوات حماية للقوى العاملة من التهميش عبر استكمال تدريب كافة موظفي الجهاز الاتحادي البالغ عددهم 80 ألف موظف على وكلاء الذكاء الاصطناعي، كامتداد لتدريب مليون شخص على هندسة الأوامر.

بالنسبة إلى مديري التقنية ومهندسي البنية التحتية في الخليج ومصر والشام، ينقل هذا الإجراء معايير تصميم مراكز البيانات وإدارتها إلى مرحلة جديدة كليًا. لم يعد التفاخر بحجم المنشأة وإحداثياتها ميزة تسويقية، بل أصبحت السرية الجغرافية والتوزيع العنقودي شرطين أساسيين في عقود التشييد والتشغيل السحابي لتقليل مخاطر الانقطاع الإقليمي. كما أن تحفظ الجهات الحكومية عن استخدام أحدث النماذج غير المختبرة يفرض على فرق التطوير في المنطقة بناء خدماتها المؤسسية فوق معالجات محلية مؤمنة ومغلقة، والتركيز على وكلاء أتمتة الأعمال بدل الاندفاع غير المحسوب نحو واجهات البرمجة العامة.

وعلى صعيد الحوكمة، تنبه التجربة إلى أن محاولات التنظيم الأحادية في الغرب ستمنح ميزة تنافسية للمنافسين ما لم تكن منسقة عالميًا لتشمل الصين، مستندة إلى النموذج الإماراتي في إشراك شركات التكنولوجيا بصياغة قوانين حماية البيانات قبل تنقيحها حكوميًا. وبذلك تتحول مرافق الحوسبة في المنطقة من مجرد استثمارات عقارية مساندة إلى صلب معادلة البقاء والأمن الوطني، حيث تصبح مرونة المنظومة وقدرتها على العمل أثناء النزاعات المعيار الحقيقي لأي بنية ذكاء اصطناعي مستدامة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد