مأساة كندا تجر «أوبن إيه آي» إلى القضاء وتفتح معركة الرقابة على المحادثات
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
لم تكن المأساة التي شهدتها بلدة تامبلر ريدج في مقاطعة كولومبيا البريطانية مجرد حادث جنائي، بل تحولت إلى سابقة قضائية تلاحق كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فعلى مدى أشهر سبقت تنفيذ الهجوم في العاشر من فبراير 2026، والذي أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص بينهم خمسة طلاب ووالدة المهاجم وشقيقه قبل أن ينهي حياته، كان الكندي جيسي فان روتسيلار البالغ من العمر 18 عاما يستشير روبوت الدردشة «تشات جي بي تي» للتخطيط لارتكاب المجزرة. وأظهرت السجلات أن النموذج قدّم إرشادات حول فاعلية بنادق الصيد من طراز ريمنغتون 870 في الممرات والغرف المكتظة، واصفا المساحات المغلقة بأنها الميدان الأنسب لهذا السلاح.
ولم تقف تداعيات الواقعة عند حدود التحقيقات الجنائية التي قادت السلطات الأمريكية إلى توجيه اتهامات لرجل في ولاية واشنطن بالتآمر في التخطيط للهجوم، إذ امتد النزاع إلى المحاكم المدنية في سبتمبر بدعوى رفعتها حكومة كولومبيا البريطانية ضد شركة «أوبن إيه آي» ورئيسها التنفيذي سام ألتمان، متهمة الشركة بالإخفاق في منع المأساة والامتناع عن إخطار الأجهزة الأمنية رغم علمها بتلك الحوارات. ورغم تقديم إدارة الشركة اعتذارا علنيا عن التقاعس في إبلاغ السلطات، أثارت الدعوى القضائية ودعاوى أسر الضحايا مأزقا شائكا حول الحدود الفاصلة بين رصد السلوكيات الخطرة وحماية سرية بيانات المستخدمين.
ترى المحامية المتخصصة في الحريات المدنية جنين يونس، المديرة القانونية للجنة الأمريكية العربية لمكافحة التمييز، أن إلزام الشركات بفرض منظومة مراقبة على المحادثات يثير مخاوف دستورية جسيمة تتصل بحرمة التفتيش. وتلفت يونس إلى أن ملايين المستخدمين يشاركون الروبوتات أدق أسرارهم العاطفية ومعاناتهم النفسية على أساس أنها مساحة خاصة لن يطّلع عليها بشر؛ وإذا شعر الناس بأن حواراتهم قد تُسلّم لأجهزة إنفاذ القانون لمجرد التعبير عن أفكار مضطربة، فإن قطاعا عريضا سيعزف عن استخدام هذه الأدوات نهائيا.
المعضلة الفنية تكمن في عجز النماذج الحالية عن التمييز الموثوق بين الخواطر الافتراضية والنية الإجرامية الحقيقية. ويشير فضل باريز، الباحث الأول في أمان الذكاء الاصطناعي وحوكمته بجامعة أكسفورد، إلى أن خفض عتبة الاشتباه الأمني قد يجرّم كاتب رواية بوليسية يستكشف حبكة جريمة، أو باحثا أكاديميا يدرس مسببات الأمراض لتحييد مخاطرها؛ فالاستدلال على التهديد الفعلي يتطلب تحليل سياق المحادثات ونمط السلوك التراكمي للمستخدم، وليس التوقف عند عبارات معزولة. ويتضح تعقيد هذا المسار فيما شهدته شركة «أنثروبيك» خلال أغسطس حين أبلغت شرطة سان فرانسيسكو عن مستخدم هدد رئيسها التنفيذي داريو أمودي، ليتبين لاحقا في إفادة لصحيفة سان فرانسيسكو ستاندرد أن الأمر كان مزحة دون نية للعنف، وأُغلق الملف دون توقيف.
غياب المعايير المهنية الملزمة يضاعف الحرج القانوني؛ فالأطباء النفسيون ملزمون بالتحذير عند رصد خطر وشيك بفضل تدريبهم الإكلينيكي ومعرفتهم بمرضاهم. وتوضح شينمايي شارما، أستاذة القانون في جامعة فوردهام، أن شركات الذكاء الاصطناعي لا توظف متخصصين في الصحة النفسية أو علم الاجتماع لتشخيص مؤشرات التهديد، محذرة من أن خوارزميات الرصد الآلي تعكس انحيازات تفرط في تصنيف لغة الأقليات كتهديدات مقارنة بغيرها. ويؤكد أستاذ القانون برايان تشوي من جامعة كولورادو بولدر أن السوابق القضائية تستبعد فرض واجب التحذير على الروبوتات لكونها ليست معالجا مرخصا ولا تجمعها بالضحايا علاقة خاصة توجب حمايتهم، مما يجعل إثبات الإهمال أو المسؤولية القانونية مسارا شاقا.
هذا الاشتباك القانوني ينقل أثر السياسات الغربية مباشرة إلى غرف اتخاذ القرار في الخليج ومصر والشام. فعندما تلجأ المنصات العالمية إلى تفتيش المحادثات لحماية نفسها من الملاحقة القضائية، تصبح البيانات الحساسة وسجلات الاستفسارات المؤسسية مهددة باختراق سريتها. كما أن الاعتماد على فلاتر أمنية مبرمجة على السياق الغربي يرفع احتمالات التصنيف الخاطئ للنصوص والأبحاث العربية المتداولة في المنطقة. الخيار الاستراتيجي أمام مديري التقنية وقادة الامتثال هو تعزيز الاعتماد على النماذج المستضافة محليا وسياسات السحابة السيادية الخاصة، بما يضمن بقاء سجلات العمل خاضعة للقوانين الوطنية والأطر التنظيمية الداخلية، بعيدا عن ارتباك المنصات التجارية بين متطلبات الخصوصية والتزامات التحقيق الجنائي.