تخطَّ إلى المحتوى

حوادث الوكلاء الأذكياء تقتحم مجالس إدارة كبرى شركات الإمارات: أزمة المساءلة تسبق التنظيم

شارك المقال
حوادث الوكلاء الأذكياء تقتحم مجالس إدارة كبرى شركات الإمارات: أزمة المساءلة تسبق التنظيم
الصورة: Ben Griffiths / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

وصلت إخفاقات الذكاء الاصطناعي إلى غرف اتخاذ القرار المغلقة في ثلاث من كل أربع مؤسسات كبرى داخل الإمارات، لتضع القيادات التنفيذية ومجالس الإدارة أمام معضلة غير مسبوقة في تحديد المسؤولية المباشرة عن قرارات تتخذها آلات مستقلة. لم تكن هذه الإخفاقات تجارب معملية عابرة، بل شملت تعطل وكلاء برمجيين، وانكشاف بيانات حساسة، وأخطاء صريحة في قرارات مدعومة بالتقنية، وصولاً إلى اختراقات أمنية دفعت نصف الشركات المتضررة تقريبًا إلى إعادة صياغة سياسات الحوكمة القائمة.

أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «سينسوس وايد» لصالح شركة «آي بي إم»، وشملت 3221 مسؤولاً تنفيذيًا في مؤسسات تشغّل ألف موظف أو أكثر، أن 75 بالمئة من كبرى شركات الإمارات شهدت حوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وصلت رسميًا إلى مستوى القيادة العليا. واستجابة لتلك الهزات التشغيلية، عدّل 49 بالمئة من التنفيذيين سياسات وأطر الحوكمة، في حين غيّر 40 بالمئة منهم مسارات الاستثمار وخطط نشر التطبيقات. غير أن هذه الصدمات لم توقف الاندفاع نحو الأتمتة؛ إذ أكد 60 بالمئة من مسؤولي الشركات استمرارهم في التوسع ضمن حدود المخاطر المتفق عليها بالتوازي مع بناء الأطر الرقابية، مقابل 30 بالمئة فقط فضّلوا إرجاء التوسع لحين اكتمال منظومة الحوكمة.

تسارع الانتقال إلى الإنتاج الفعلي كشف فراغًا عميقًا في قواعد المساءلة والتعويض. لم يعد الوكيل البرمجي مجرد نموذج محادثة يستجيب لأوامر الموظف، بل تحول إلى نظام يتمتع بدرجات من الاستقلالية لتنفيذ مهام إجرائية معقدة. وبحسب الأرقام، دخل الذكاء الاصطناعي الوكيل مرحلة الإنتاج الفعلي في وظيفة واحدة على الأقل لدى 38 بالمئة من الشركات المشمولة بالدراسة، ودُمج على نطاق واسع في العمليات التشغيلية لدى 13 بالمئة منها. ومع توقع 78 بالمئة من التنفيذيين تمتع الوكلاء باستقلالية ذاتية في اتخاذ القرارات بحلول عام 2027، بات غياب التوافق حول هوية المسؤول عن أخطائهم بمثابة لغم إداري وقانوني مؤجل.

حين طُرح السؤال الحرج حول من يتحمل وزر الخطأ، تشتتت إجابات القيادات في الإمارات: 21 بالمئة اعتبروا رئيس إدارة المخاطر أو الامتثال هو المسؤول الأول، بينما رأى 17 بالمئة أن التبعة مشتركة بين أعضاء محددين في الإدارة التنفيذية، وحمّل 15 بالمئة الوزر لرئيس قطاع التكنولوجيا أو المعلومات. وعلى المستوى القانوني، يرى 26 بالمئة أن تحديد المسؤولية عن الأضرار الجسيمة يخضع لظروف كل واقعة، في حين صرّح 19 بالمئة بأن الترسانة التنظيمية الحالية قاصرة تمامًا عن مواكبة هذه النزاعات، وذهب 16 بالمئة إلى ضرورة توزيع التبعة بين الشركة المستخدمة والمورّد التقني المطور للنظام.

هذا الغموض التعاقدي يفرض اليوم تحولاً جذريًا في صياغة الصفقات التقنية عبر المنطقة. يجد مدير التكنولوجيا والمسؤول القانوني في أسواق الخليج ومصر نفسيهما أمام ضرورة ملحة لإعادة هندسة اتفاقيات مستوى الخدمة مع عمالقة التقنية الأجانب، فالاعتماد على وكيل خارجي لاتخاذ قرارات ائتمانية أو فرز بيانات عملاء يعني تحمّل الشركة المحلية التكاليف القانونية والسمعة بمفردها إن تعطل الوكيل. ويطالب 37 بالمئة من مسؤولي الشركات بإبرام أطر قانونية وتعاقدية جديدة تحدد التزامات الموردين بوضوح، بينما دعا 36 بالمئة إلى آليات حوكمة عابرة للولايات القضائية، وأصرت النسبة ذاتها على امتلاك مفتاح أمان داخلي يتيح التجميد الفوري والكامل لكافة أنشطة الوكلاء في المؤسسة عند أول انحراف.

تُظهر الدراسة أيضًا أن ترجمة هذه الأخطار إلى أرقام مالية دقيقة لا تزال في طورها الجنيني؛ إذ لم يجر سوى 39 بالمئة من المؤسسات تقييمًا كميًا رسميًا للمخاطر المالية الناجمة عن ثغرات حوكمة الذكاء الاصطناعي لعرضه على مجالس الإدارة. وفي المقابل، تظل القوانين الحكومية المحرك الأقوى للإنفاق على الحماية؛ حيث عزا 59 بالمئة من التنفيذيين استثماراتهم الرقابية إلى متطلبات الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات، متقدمة على الامتثال التنظيمي الدولي الذي حاز 42 بالمئة، واللوائح القطاعية المتخصصة بنسبة 38 بالمئة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد