ميثاق الشركات وتفويض الاستخبارات: من يتحمل كلفة أخطاء النماذج الأمريكية؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
عندما تُسلَّم ملفات التقنية المتقدمة إلى قيادات الاستخبارات القومية وأبحاث الدفاع، تتوارى أدبيات السلامة العامة التنظيمية لتفسح المجال لمنطق الحسم الجيوسياسي. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيل فريق عمل جديد تحت مسمى «قوة الذكاء الفائق»، واضعاً رئاسته في يد مدير الاستخبارات القومية جاي كلايتون، ليرفع تقاريره مباشرة إلى الرئاسة ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز. الخطوة لا تكتفي بدمج أجهزة الرقابة التجارية مع الدفاع وإدارة شؤون الموظفين، بل تعيد صياغة العلاقة بين السلطة التنفيذية والشركات المطورة على أسس النفوذ والأمن القومي.
تضم الهيئة الجديدة رئيس لجنة التجارة الفيدرالية أندرو فيرجسون، ووكيل وزارة الدفاع للأبحاث والهندسة إميل مايكل، ومدير مكتب إدارة شؤون الموظفين سكوت كوبر. مهمة هذا الفريق، بحسب الإعلان الرسمي، هي تنسيق التواصل الحكومي الفيدرالي مع المستهلكين والجماعات المدنية والهيئات الدينية ومزودي البنية التحتية الحيوية وشركات التقنية الفائقة. وتأتي هذه الخطوة امتداداً لأمر تنفيذي وقعه ترامب في التاسع والعشرين من سبتمبر الماضي، يلزم الوكالات الفيدرالية باعتماد مصطلح «الذكاء الفائق» وإسقاط وصف «الاصطناعي» من المراسلات الرسمية والتقارير والمواقع، بدعوى أن الكلمة السابقة توحي بالزيف.
التحول في المصطلحات واكبه انخراط من كبار التنفيذيين، إذ أعلن إيلون ماسك تغيير اسم منصة شركته إلى «سبيس إكس إس آي»، بالتوازي مع استدعائه للعمل الحكومي ضمن مشروع لدراسة مستقبل الحرب. غير أن جوهر السياسة الأمريكية المعلنة يقوم على استبعاد القيود الرقابية الصارمة وترك التنظيم الذاتي للشركات، اعتماداً على ميثاق وصفه ترامب بأنه «ملزم أخلاقياً»، وقعه قادة شركات كبرى من بينها أوبن إيه آي، وأنثروبيك، وجوجل، وسبيس إكس. غير أن هذا الرهان يواجه تشكيكاً متصاعداً من داخل أروقة المطورين أنفسهم ومن خبراء حذروا من الفوضى الاصطلاحية.
الانقسام الداخلي حول كلفة السرعة وإهمال معايير الحذر بلغ ذروته في مواقف متزامنة لقيادات الصناعة. ففي الرابع من أكتوبر، صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، بأن فوائد التقنية تبرر قبول بعض مخاطرها، مطالباً بإتاحتها للجمهور ومؤكداً أن على العالم تقبل وقوع أمور سيئة في سبيل نيل تلك المزايا. وفي المقابل تماماً، كشف ديفيد روبنسون، المسؤول السابق في فريق أنظمة السلامة بالشركة، في مقال بمجلة ذا أتلانتيك، أسباب استقالته، مشيراً إلى أن ثقافة الشركة باتت معطوبة بسبب الركض المتواصل من إطلاق إلى آخر دون توفير مستوى العناية اللازم. وكان مطور شات جي بي تي قد سحب أحدث نماذجه الشهر الماضي لمخاوف تتعلق بالأمان، بعد حوادث اختراق سيبراني شملت أنظمة حكومية أسترالية.
هذا التحول في واشنطن ينقل أثره المباشر إلى فرق التقنية والمصارف والمؤسسات الحكومية في الخليج ومصر والشام. فعندما تستبدل السوق المصدرة للنماذج الرقابة الصارمة بمواثيق شرف طوعية، تسقط فرضية الاعتماد الأعمى على شهادات الأمان الصادرة من المنصات. المؤسسات الإقليمية التي تدمج هذه النماذج في البنية التحتية والخدمات المالية والبيانات الحساسة باتت ملزمة ببناء قدرات تدقيق وفحص سيبراني مستقلة داخل مقراتها، وعدم التعامل مع برمجيات الوادي بوصفها أدوات محصنة بطبيعتها. كما أن اعتراف قيادات التقنية باحتمال وقوع أضرار تشغيلية يفرض على المهندسين وقادة التحول الرقمي بالمنطقة وضع حواجز عزل دقيقة، تضمن ألا يؤدي أي تعثر في النماذج السحابية إلى اختراق الأنظمة المحلية الحساسة أو تعطيلها.
فلسفة رئيس الهيئة الجديدة، جاي كلايتون، تختصر المرحلة برمتها؛ إذ صرح سابقاً بأنه حين يجمع الشيء بين الفرصة والتهديد، يتعين الإحاطة به والسيطرة عليه. غير أن بوصلة السيطرة الأمريكية موجهة لضمان التفوق الجيوسياسي وحماية البنية التحتية من الخارج، تاركة كلفة التجربة الميدانية ومخاطرها التشغيلية للشركات والمستخدمين حول العالم.