حسابات العائد قبل حزام الكويكبات: كيف تحول أبوظبي حوسبة الفضاء إلى تقنية تجارية؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تبدأ الرحلة بقطع خمسة مليارات كيلومتر في الفضاء السحيق لبلوغ كويكب ناء، لكن الحسابات الحقيقية التي تشغل مهندسي أبوظبي اليوم لا تدور حول ما ستسجله الكاميرات هناك فحسب، بل حول ما يمكن بيعه تجاريًا على الأرض قبل موعد الهبوط بسنوات طويلة. كشف معهد الابتكار التكنولوجي في العاصمة الإماراتية عن إتمام تصنيع المسبار المخصص لمركبة «مستكشف محمد بن راشد» ضمن مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، مصحوبًا بوضوح اقتصادي معلن في الخطاب الرسمي، ومفاده أن الإنفاق على مهام الفضاء العميق لا بد أن يقترن بمخرجات تقنية تملك أسواقًا تجارية ملموسة.
المسبار الذي صُمم وبُني وجرى اختباره بالكامل داخل مرافق أبوظبي يستعد حاليًا للشحن عبر طيران الاتحاد إلى مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء في جامعة كولورادو بولدر في الولايات المتحدة، لإتمام مرحلة الدمج داخل المركبة الفضائية الرئيسية، تمهيدًا للإطلاق في مارس 2028 من اليابان على متن صاروخ «إتش 3» التابع لشركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة. وتمتد الرحلة عبر مسار يحلق بجانب ستة كويكبات بين المريخ والمشتري، وصولًا إلى ملامسة سطح الكويكب «269 جوستيتيا» في أوائل عام 2036، ليصبح سابع كويكب في تاريخ البشرية تصله مركبة على سطحه في حال نجاح المهمة.
ووفق الدكتور أنطون إيفانوف، المدير التنفيذي لاستكشاف الفضاء وقائد المشروع في معهد الابتكار التكنولوجي، استغرق تطوير المسبار نحو 18 شهرًا عقب توفير التمويل، عبر فريق عمل نما من 40 إلى 55 متخصصًا، يشكل المواطنون الإماراتيون قرابة 60 بالمئة منهم، مع الاستعانة بأكثر من 25 موردًا محليًا داخل الدولة. وتؤكد البيانات الرسمية أن نسبة توطين الأعمال في مجمل المهمة بلغت نحو 80 بالمئة، مسجلة قفزة مقارنة بما تحقق في مسبار الأمل إلى المريخ، وهو مسار يعتمد على نموذج الشراكات لنقل المعرفة؛ إذ استعانت أبوظبي بشركة «هيكس 20» الأسترالية لتطوير هيكل ناقل المركبة، ما دفع الشركة لاحقًا لافتتاح مكتب لها في الإمارات مستفيدة من حوافز برنامج مناطق الفضاء الاقتصادية.
الرهان الهندسي الفعلي للمشروع يتركز داخل وحدة معالجة البيانات المدمجة في قلب المسبار. هذه اللوحة الإلكترونية، المزودة بقدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي، ترتبط مباشرة بكاميرات المسبار وحاسوبه الداخلي لاتخاذ قرارات التوجيه ذاتيًا، استجابة لحتمية فيزيائية واضحة: المسبار لن يتمكن من تلقي أي أوامر آنية من المحطات الأرضية بمجرد انفصاله عن المركبة الأم في أعماق الفضاء، ما يفرض عليه تحليل بيانات الرؤية الحاسوبية ومعالجة بيئته المحيطة في أجزاء من الثانية دون تدخل بشري.
هذا التوجه يلخص تحولًا جوهريًا في صياغة مفهوم السيادة التقنية؛ فالإمارات تعتمد على شراكات دولية مع اليابان وإيطاليا ومؤسسات أكاديمية أمريكية لتجاوز غياب منصات إطلاق محلية وصواريخ مخصصة لمدارات الفضاء السحيق. وكما أوضح سالم القبيسي، مدير عام وكالة الإمارات للفضاء، فإن المستهدف ليس السعي لامتلاك كل تفصيلة في منظومة الإطلاق، بل امتلاك مفاصل سيادية محددة ذات قيمة استراتيجية وتجارية قابلة للتطور. وتكتمل الصورة الاقتصادية بما طرحه فيصل البناي، الأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، حين شدد على أن التقنية السيادية لا بد أن تحمل معنى عمليًا مباشرًا، موضحًا أن قطاعات مثل الاتصالات الفضائية والاستشعار عن بعد تملك أسواقًا تجارية واضحة عبر شركات مثل «الثريا» و«سبيس 42»، في حين تظل ميزانيات الاستكشاف الفضائي الخالص بحاجة ماسة لتبرير جدواها عبر تحويل ابتكاراتها إلى منتجات نفعية.
تسويق عقل المسبار خارج الفضاء السحيق يمثل المسار العملي لتوليد العائد الاستثماري. يوضح إلياس تسوتسانيس، كبير الباحثين في مركز بحوث الدفع والفضاء بمعهد الابتكار التكنولوجي، أن وحدة معالجة البيانات الذكية قابلة للنشر في تطبيقات تتجاوز الفضاء، وفي مقدمتها مراقبة الأرض وتحليلات الصور والاستخبارات الجغرافية التي تقود النشاط التجاري للصناعة الفضائية، إضافة إلى إمكانية تشغيلها في منظومات أرضية. كما يشير مهندسون شاركوا في التطوير إلى فرص استخدام الوحدة في أنظمة المراقبة والدفاع والمهام الاستطلاعية التي تتطلب استدلالًا لحظيًا تحت بيئات قاسية وظروف انقطاع كامل للاتصال.
هذا التحول يحمل دلالات تشغيلية واضحة للمديرين وفرق الهندسة في منطقة الخليج ومصر والشام؛ فالقيمة السوقية المضافة لفرق الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في استدعاء النماذج السحابية الجاهزة، بل بدأت تنتقل نحو حوسبة الحافة المدمجة التي تجمع المعالجات الإلكترونية بخوارزميات اتخاذ القرار اللحظية. على قادة التقنية في المؤسسات الصناعية ومراكز البيانات ملاحظة تراجع جدوى الأنظمة التي تشترط اتصالًا سحابيًا دائمًا في البيئات الحرجة، لصالح عتاد مادي قادر على تشغيل خوارزميات الرؤية وتحليل الإشارات ذاتيًا. هذا التوجه يعيد توجيه بوصلة التوظيف والتدريب الإقليمي نحو مهارات دمج الشرائح، وتحسين كفاءة الطاقة، والبرمجة منخفضة المستوى، تمهيدًا لبناء منظومات تعتمد على عتاد صلب ومستقر بدل الاعتماد الكامل على بنى تحتية مستوردة.
يخضع المسبار حاليًا لحزمة اختبارات نهائية في أبوظبي تشمل التدوير الحراري واختبارات الأداء الوظيفي، قبل بدء مساره اللوجستي نحو الولايات المتحدة ثم اليابان. وبينما ينتظر قطاع الفضاء مطلع عام 2036 لتوثيق وصول المسبار إلى سطح الكويكب «جوستيتيا»، فإن الاختبار الاقتصادي الحقيقي لوحدات معالجة البيانات التي طورتها أبوظبي سيبدأ مبكرًا على كوكب الأرض، عبر قدرتها على حجز مقعد تجاري في أسواق المراقبة والاستشعار والتحليل الميداني.