تخطَّ إلى المحتوى

إقصاء أنثروبيك من البنتاغون: ماذا تكشف أشهر فك الارتباط عن معمارية الأنظمة الحساسة؟

شارك المقال
إقصاء أنثروبيك من البنتاغون: ماذا تكشف أشهر فك الارتباط عن معمارية الأنظمة الحساسة؟
الصورة: Simon Infanger / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

على الورق، وضع البنتاغون في فبراير الماضي مهلة تنتهي أواخر أغسطس لإقصاء نماذج شركة «أنثروبيك» من كافة قطاعاته؛ لكن في غرف العمليات الاستخباراتية بقي نموذج «كلود» يعمل حتى الأيام القليلة الماضية قبل إعلان وقف اعتماده رسميا. أبلغ مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية هيئة الإذاعة البريطانية بوقف استخدام منتجات الشركة تماما، مسدلا الستار على أشهر من التوتر المؤسسي الذي رصدنا تفاصيله إثر تصنيف الشركة خطرا على سلسلة الإمداد العسكرية. غير أن استمرار النموذج في تصنيف البيانات وتحديد الأهداف في العمليات العسكرية ضد إيران حتى الأسبوع الماضي، يكشف الفجوة الحادة بين القرار السياسي والتنفيذ التقني على الأرض.

تعود جذور الأزمة إلى مطلع العام الجاري، حين مارست قيادة وزارة الدفاع ضغوطا على «أنثروبيك» لإلغاء حواجز الأمان المفروضة على نموذجها، ومنح الجيش وصولا غير مقيد لقدرات الذكاء الاصطناعي. رفضت الشركة الاستجابة للطلب، مبررة موقفها بمخاوف صريحة من استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية أو تشغيل الأسلحة ذاتية التحكم. هذا الرفض دفع وزير الدفاع بيت هيغسيث في السابع والعشرين من فبراير، وقبل يوم واحد من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إلى إدراج الشركة ضمن قائمة «مخاطر سلاسل إمداد الأمن القومي»، وهو توصيف قانوني يُخصص عادة للشركات التابعة لدول مصنفة كخصوم للولايات المتحدة. اعتبرت الشركة الخطوة غير قانونية وانتقامية ولجأت إلى القضاء الفيدرالي، الذي قضى في الثامن والعشرين من أغسطس بأن إدارة ترامب انتقمت من الشركة بصورة غير مشروعة.

النماذج المتقدمة ليست قطعا برمجية تُستبدل بضغطة زر حين تتغير السياسات. كان نموذج «كلود»، بما في ذلك طرازات «ميثوس» المتقدمة، مدمجا بعمق في منصة «مافن سمارت سيستم» التي تديرها شركة بالانتير، وهي المنظومة المحورية التي يعتمد عليها البنتاغون لتنظيم الاستخبارات وصور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الطائرات المسيرة عبر كافة إدارات الوزارة ومشاركتها مع الحلفاء. تؤكد لورين كان، الباحثة في مركز الأمن والتقنيات الناشئة بجامعة جورجتاون والمسؤولة السابقة في الدفاع، أن تجذّر النموذج في قلب المنصة جعل نزعه السريع أمرا بالغ الصعوبة ومصحوبا بتعقيدات تشغيلية مؤلمة، وهو ما يفسر استمرار الضباط في استخدامه لإعداد الإيجازات الاستخباراتية العاجلة وتحديد الأهداف الميدانية طوال فترة النزاع القضائي.

لتأمين البدائل خلال فترة فك الارتباط، سارع البنتاغون إلى توقيع عقود موازية مع شركات أخرى شملت «جوجل» و«إكس إيه آي» و«أوبن إيه آي»، حيث شهدت الأخيرة توسعا ملحوظا في اعتماد أدواتها داخل إدارات الوزارة خلال الأشهر الأخيرة. والمفارقة هنا أن إعلان الدفاع وقف التعامل تزامن مع تحول لافت في البيت الأبيض، إذ التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس شركة «أنثروبيك» داريو أمودي مرتين في واشنطن، وسط تصريحات متبادلة تؤكد أن العمل المشترك قادر على تحقيق التفوق بأمان، في مشهد يعكس تضارب المسارات بين المستوى السياسي المباشر والبيروقراطية الدفاعية.

العبرة التقنية لغرف القرار ومراكز البيانات الإقليمية تتجاوز تفاصيل النزاع في واشنطن. حين تعتمد مؤسسة مصرفية في الخليج أو هيئة حكومية في مصر أو الشام على نموذج تجاري مغلق وتدمجه داخل معمارية بياناتها الحساسة، فإنها تخاطر بمواجهة سيناريو البنتاغون ذاته: تكلفة خروج باهظة إذا تبدلت شروط الخدمة أو فُرضت قيود مفاجئة. إن التبعية لنموذج أحادي يخضع لحواجز وسياسات خارجية تجعل الأنظمة الحيوية رهينة لقرارات المورّد. الدرس العملي لمن يدير منصات تقنية حساسة هو بناء طبقات وسيطة تعزل منطق الأعمال وقواعد البيانات عن محرك الذكاء الاصطناعي ذاته، بالتوازي مع التوسع في استضافة نماذج مفتوحة المصدر محليا لضمان التحكم الكامل في تدفق المعلومات واستمرارية التشغيل دون ارتهان لتقلبات خارجية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد