استثمارات بالمليارات في كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي: أين تنتهي الحوسبة وتبدأ أجهزة الرقابة؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
حين فتحت كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي الغربية دفاتر استثماراتها لرؤوس الأموال السيادية، بدا المشهد للوهلة الأولى مجرد تدفق سيولة هائل لتغطية تكاليف الحوسبة المتصاعدة. لكن في أبوظبي، يقف خلف هذه الشراكات إمبراطورية اقتصادية يقدر حجمها بنحو 1.5 تريليون دولار يقودها مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، واضعاً نفسه في قلب البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي. هذا الصعود السريع يعيد إلى الواجهة تساؤلات حاسمة حول تلاقي منظومات الأمن السيادي مع خوارزميات المستقبل.
في قلب هذا التمدد تبرز شركة «جي 42»، عملاق الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في الإمارات. ووفق تحقيق استقصائي نشرته صحيفة «الغارديان» ونقله «ميدل إيست مونيتور»، فقد بنيت الشركة في أواخر العقد الماضي على أنقاض شركة «دارك ماتر»، التي أدارت برنامج التجسس السري المعروف باسم «مشروع ريفن». ضم البرنامج في بدايته عناصر استخبارات أميركية سابقة، وتوسع لاحقاً ليشمل استهداف معارضين وصحافيين وحقوقيين. وتشير التقارير إلى انتقال كوادر رئيسية إلى الكيان الجديد، حيث قاد الرئيس التنفيذي الحالي لشركة «جي 42»، بينغ شياو، وحدة رئيسية سابقة في «دارك ماتر»، بينما يرأس كريم صباغ، الرئيس السابق للشركة نفسها، إحدى الشركات التابعة للمجموعة.
التحول من برمجيات المراقبة الرقمية إلى أدوات التنبؤ السلوكي ينقل ثقل النفوذ من مجرد تتبع الأجهزة إلى إدارة البنية التحتية السحابية الشاملة. فالشركة تسوق اليوم أدوات تنبؤية للحكومات تهدف إلى تحليل السلوك ورسم خرائط العلاقات وتصنيف المشتبه بهم. ويستعيد التحقيق وقائع موثقة لاستخدام تقنيات التجسس ضد معارضين، من بينهم المهندس أحمد منصور الذي أدين عام 2017 بعد محاكمة سرية ويقبع في سجن الصدر، على بعد نحو عشرة أميال فقط من مجمع الحوسبة الفائق لشركة «جي 42»، إلى جانب شهادة الباحث البريطاني ماثيو هيدجز حول ظروف احتجازه وتحميله المسؤولية لسلسلة القيادة الأمنية. وفي المقابل، نفت «جي 42» هذه الاتهامات رسمياً، مؤكدة أنها تأسست كشركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ورافضة أي ارتباط لها بأنشطة التجسس الرقمي أو الرقابة غير القانونية.
ورغم هذه الخلفيات الحساسة، حظيت الشركة بانفتاح استثماري وسياسي غربي واسع. فقد ضخت «مايكروسوفت» استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في «جي 42»، كما باتت المجموعة وصناديقها الاستثمارية شريكة ومستثمرة في كبرى الشركات العالمية مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«إكس إيه آي». وعلى الصعيد الحكومي الأميركي، ألغت إدارة دونالد ترامب القيود التي كانت مفروضة سابقاً، وسمحت بتصدير مئات الآلاف من شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الإمارات، ليوجه جزء كبير منها نحو مراكز بيانات «جي 42». وجاءت هذه الصفقة بعد أسبوعين من شراء كيان استثماري تابع لطحنون عملات مشفرة بقيمة ملياري دولار أصدرتها شركة «وورلد ليبرتي» المرتبطة بعائلة ترامب، والتي يمتلك فيها حصة تبلغ 49 بالمئة، وهو ما أثار انتقادات حادة داخل الكونغرس من مشرعين مثل إليزابيث وارن بدعوى تضارب المصالح، بينما نفى البيت الأبيض والشركة وجود أي صلة بين الصفقتين.
بالنسبة لصناع القرار وقادة التقنية في الشرق الأوسط، سواء في مصارف الخليج أو شركات التقنية في مصر والشام، يفرض هذا المشهد إعادة ضبط لخيارات البنية التحتية. فاعتماد السحابة المحلية والنماذج المستضافة داخل مراكز البيانات الإقليمية لم يعد قراراً تقنياً يرتبط بكفاءة الاستدلال أو خفض التكلفة المباشرة فقط، بل غدا قراراً استراتيجياً يتصل بامتثال البيانات والتصنيفات السيادية. إن أي توتر جيوسياسي أو تشديد محتمل في ضوابط الرقابة والتصدير من جانب الهيئات الغربية على الرقائق المتقدمة في المنطقة قد يضع الشركات والمؤسسات التي تبني أنظمتها الحيوية فوق هذه المنصات المشتركة أمام اشتراطات تدقيق مفاجئة ومخاطر حوكمة تتجاوز العقود التجارية التقليدية.
معركة السيطرة على الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور حول الخوارزميات المبتكرة وحدها، بل أمست صراعاً على من يملك مراكز البيانات، ورخص العتاد المتقدم، ومفاتيح النفوذ السياسي التي تحمي تدفقها. وبينما تعزز الصناديق السيادية حضورها في صلب التقنية العالمية، يبقى التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإقليمية متمثلاً في الموازنة بين الاستفادة من هذه القوة الحوسبية الفائقة وحماية سيادة بياناتها التشغيلية.