أبوظبي تنقل الذكاء الاصطناعي من التجربة إلى النشر: رسالة "آي إفريثينغ" وما تعنيه للمنطقة
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
انطلقت في مركز أبوظبي الوطني للمعارض فعاليات "آي إفريثينغ أبوظبي 2026" في السادس والسابع من أكتوبر، والرسالة التي حملها الحدث لم تكن عن النماذج الجديدة بقدر ما كانت عن إنهاء مرحلة التجربة: الحكومات والشركات تنتقل من المشاريع التجريبية إلى النشر الواسع، ومن الأدوات المستقلة إلى أنظمة ذكية مدمجة في قلب الاقتصاد والخدمات العامة.
من المختبر إلى البنية التحتية الحكومية
أبرز مثال طرحه الحدث هو منصة "تم"، التي تصفها أبوظبي بأنها منصة حكومية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تربط أكثر من 1200 خدمة حكومية وخاصة، وتخدم ملايين المستخدمين. النظام هنا لا ينتظر أن يبحث المواطن عن الخدمة عبر عشرات الجهات، بل يفهم احتياجه، ويربط البيانات والخدمات ذات الصلة، ويسلم النتيجة مباشرة. الذكاء الاصطناعي هنا انتقل من كونه تقنية مساعدة للموظف الحكومي إلى طبقة تشغيلية تحتية للخدمات العامة.
القوة العاملة الرقمية: 35 ألف موظف حكومي
الشركات المشاركة عرضت تطبيقات تشمل عاملاً رقمياً قادراً على تحقيق وفر سنوي يقارب 3 ملايين دولار، وأدوات مصممة لدعم نحو 35 ألف موظف حكومي، إلى جانب تطبيقات في البحث العلمي والبنية التحتية. هذه الأرقام تعكس اتجاهاً عالمياً: المؤسسات لم تعد ترى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين إنتاجية الموظف، بل بدأت تعاملها كقوى عاملة رقمية جديدة تؤدي مهاماً محددة باستمرار وبسرعة عالية. المعادلة الناشئة ليست "بشر ضد آلات"، بل بشر يعرفون كيف يعملون مع الآلات مقابل من لا يمتلكون هذه المهارة.
الصحة: من التشخيص إلى تصميم الدواء
قطاع الرعاية الصحية قدم أحد أوضح أمثلة التحول. الحدث أبرز استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية وتصميمها، والرعاية السريرية، والأنظمة الطبية باللغة العربية، والطب الرقمي. بيانات منشورة تشير إلى أن نظام سلامة المرضى المدعوم بالذكاء الاصطناعي يربط الآن 100% من مستشفيات الإمارة ويخدم أكثر من 60 ألف مستخدم. هذه نقطة قوة جوهرية لأبوظبي: منظومة صحية متكاملة، بيانات واسعة، وقدرات في الجينوم والطب الدقيق توفر بيئة واقعية لاختبار وتطوير تطبيقات الرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
تحدي الطاقة: السباق لا يتوقف عند النموذج
وراء كل نموذج ذكاء اصطناعي بنية تحتية هائلة. كل عملية تدريب لنموذج كبير، وكل استعلام، وكل نظام وكيل يتطلب قدرة حوسبية، مراكز بيانات، اتصالات، طاقة وتبريد. لهذا جمعت أبوظبي الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الذكية والطاقة ومراكز البيانات في حدث واحد، مؤشر على أن السباق العالمي القادم لن يكون حول من يطور أفضل نموذج، بل حول من يمتلك القدرة على تشغيل هذه النماذج على نطاق واسع، بكفاءة وأمان. هذا يفسر الأهمية المتزايدة للاستثمار في البنية التحتية الحوسبية، ووحدات معالجة الرسوميات، ومراكز البيانات، إلى جانب البحث عن مصادر طاقة موثوقة ومستدامة.
الذكاء الاصطناعي الوكيلي: المرحلة التالية
إذا نقل الذكاء الاصطناعي التوليدي التكنولوجيا من البحث عن المعلومة إلى توليد المحتوى، فالمرحلة التالية تتجه نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي. الوكيل لا يجيب على سؤال فحسب، بل ضمن صلاحيات محددة، يخطط وينفذ تسلسلاً من المهام، ويتفاعل مع أنظمة أخرى، ويتخذ إجراءات لتحقيق هدف محدد. مؤتمر "آي 360" في أبوظبي فحص كيف يمكن للحكومات والشركات تشغيل الذكاء الاصطناعي الوكيلي كبنية تحتية حرجة، وكيف يساهم في بناء اقتصادات ومؤسسات "ذات أصل ذكاء اصطناعي". هذا التحول قد يثبت أنه أشد تأثيراً من الموجة الأولى للذكاء الاصطناعي التوليدي، لأنه ينقل الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى دور المنفذ.
رأس المال ينتقل إلى قلب السباق
لا يمكن بناء اقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي دون رأس مال. الحدث ضم برنامجاً استثمارياً يجمع أكثر من 200 مستثمر عالمي، بهدف ربط الشركات الناشئة بالتمويل والشراكات وفرص التوسع. هذا أمر استراتيجي لأبوظبي لأن المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي أصبحت منافسة على المواهب، والشركات الناشئة، والملكية الفكرية، ورأس المال، والقدرة الحوسبية، كلها في وقت واحد. نجاح أي مدينة في هذا المجال لن يقاس بعدد المؤتمرات التي تستضيفها، بل بقدرتها على تحويل هذه المؤتمرات إلى صفقات، واستثمارات، وشركات، ومختبرات، ومراكز بحث، وتطبيقات واقعية.
الاختبار الحقيقي: ما سيبقى بعد المعرض
بعد السادس والسابع من أكتوبر، ستغادر الشركات وتغلق قاعات المعرض. لكن التحدي الحقيقي سيبقى خارج "أدنيك". هل ستتحول الأفكار المعروضة إلى مشاريع حكومية وصناعية؟ هل ستنتقل الشركات الناشئة من مرحلة العرض إلى النشر الواسع؟ هل ستجذب أبوظبي المزيد من الباحثين والمطورين ورأس المال؟ وهل تستطيع الإمارة بناء منظومة متكاملة تجمع البيانات، والحوسبة، والطاقة، ورأس المال، والمواهب، والتنظيم، والتطبيقات؟ هذه هي المعادلة التي ستحدد في النهاية موقع أبوظبي في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي. أبوظبي تراهن على عصر الذكاء: المرحلة القادمة ليست عن من يتحدث باقتناع عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، بل عن من يبني هذا المستقبل ويضعه للعمل في العالم الحقيقي.