بين إطلاق البيانات وحظر التوصيات: من يقود قرارات الاستثمار في البورصات العربية؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تابعت أسواق المال العربية طويلا تطبيقات الأتمتة بوصفها أدوات مساعدة لفحص البيانات المالية، لكن المشهد يتبدل مع انتقال الخوارزميات إلى مقاعد التوصية الاستثمارية وتنفيذ الصفقات المباشرة. لم يعد الحضور مقتصرا على الفرز الآلي، بل امتد ليعيد رسم الحدود الفاصلة بين المستثمر البشري والأنظمة المؤتمتة عبر مسارات تنظيمية متباينة في السعودية والإمارات ومصر.
في السوق السعودية، تتجلى هذه النقلة في إدارة الأصول واللوائح الإشرافية معا؛ فبعد موافقة هيئة السوق المالية في فبراير 2025 على طرح صندوق «سدكو كابيتال متعدد الفرص للذكاء الاصطناعي»، شهد السوق انطلاق صندوق «إيه آي جوريثم للتداول السعودي المعزز» في ديسمبر 2025، والذي بلغت أصوله الصافية نحو 50.6 مليون ريال سعودي بنهاية ذلك العام. غير أن التطور الأبرز ظهر في 24 سبتمبر 2026، حين طرحت هيئة السوق المالية مشروع التعليمات المنظمة للتداول الخوارزمي لاستطلاع الآراء، تمهيدا لتطبيقه في الأول من نوفمبر 2026.
يحدد المشروع السعودي سقفا لنسبة أوامر التداول الخوارزمي إلى الصفقات المنفذة عند 20 أمرا لكل صفقة منفذة خلال يوم التداول، مع استثناء الأوراق المالية ذات السيولة العالية جدا. كما يلزم المؤسسات بوضع ضوابط صارمة واختبار الأنظمة قبل تشغيلها، والاحتفاظ بالسجلات الرقابية وتقديمها للهيئة وتداول عند الطلب. وتزامن ذلك مع إعلان الهيئة في أغسطس 2026 استكمال شركة «لمحة تنبؤ» لمتطلبات تجربة التقنية المالية لتقديم المشورة باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شركات أخرى مسجلة في سجل التقنية المالية لتقديم الاستشارات الآلية.
في المقابل، ركزت أبوظبي على فتح بنية البيانات التحتية أمام الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ أصبح سوق أبوظبي للأوراق المالية في 13 أغسطس 2026 أول سوق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتيح بيانات التداول اللحظية الرسمية عبر منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما فيها ChatGPT وClaude. يتيح هذا الربط الاستعلام باللغة الطبيعية دون الحاجة إلى منصات التداول الاحترافية المتخصصة. ويواكب ذلك إطار تنظيمي لدى هيئة الأوراق المالية والسلع يعرف المستشار الآلي بأنه خدمة خوارزمية تبني المحافظ وتعيد توازنها وفق الأهداف والمخاطر، مع إلزام الشركات بالإفصاح عن القيود التشغيلية وتضارب المصالح، في حين تغطي لوائح سوق أبوظبي العالمي نماذج التعلم الآلي واللغات الكبيرة في إدارة الاستثمار الرقمي.
أما في مصر، فقد رسمت الهيئة العامة للرقابة المالية في فبراير 2026 حدودا مغايرة تفصل بوضوح بين رقمنة الوصول والتدخل في القرار. فبينما سمحت لشركات الوساطة بترويج خدماتها عبر منصات رقمية معتمدة تستوفي معايير التشفير وحماية البيانات، حظرت على هذه المنصات تقديم توصيات استثمارية، أو ترتيب الأوراق المالية وتفضيلها، أو توظيف نماذج التنبؤ والذكاء الاصطناعي للتأثير على سلوك المتعاملين، فضلا عن منعها من تنفيذ الوظائف الجوهرية للوسيط.
تفرض هذه التباينات استحقاقات عملية مباشرة على مديري الأصول والوسطاء ومسؤولي الامتثال في المنطقة؛ ففي الرياض، بات لزاما على مكاتب التداول مراجعة خوارزمياتها لضبط معدل العشرين أمرا قبل سريان اللائحة، وتوثيق سجلات الاختبار البرمجي لتفادي المساءلة. وفي الإمارات، يجد مديرو المحافظ أنفسهم أمام واقع يتيح للمتعاملين استجواب السوق بأسئلة نصية مباشرة، ما يقلص احتكار الوصول إلى البيانات. أما في القاهرة، فيتعين على المؤسسات المالية حصر البرمجيات في تحسين واجهات الاستخدام دون الانزلاق إلى التحليل التنبؤي المحظور.
ينسجم هذا التباين مع تحذيرات منظمة «أوسكو» الدولية بشأن مخاطر الاعتماد على أطراف ثالثة ونماذج البيانات المعقدة؛ فالاختبار الحقيقي يتجاوز مرحلة تجربة الأدوات، ليضع المؤسسات أمام سؤال السيطرة والمسؤولية القانونية حين تخطئ التقديرات الآلية.