تخطَّ إلى المحتوى

معركة الاستدلال تنتقل إلى الحافة: كيف تواجه «كوالكوم» معضلة الطاقة وتكلفة التشغيل؟

شارك المقال
معركة الاستدلال تنتقل إلى الحافة: كيف تواجه «كوالكوم» معضلة الطاقة وتكلفة التشغيل؟
الصورة: Yogesh Phuyal / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

عندما تتسابق شركات التقنية في استعراض نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتجه الأنظار تلقائياً إلى خوادم السحاب المركزية وفواتير طاقتها المتصاعدة؛ لكن حسابات التشغيل الفعلية بدأت تفرض اتجاهاً مغايراً تماماً. فبينما ينشغل السوق بأحجام النماذج النظرية، تقود شركة «كوالكوم» مساراً لإعادة تعريف موقعها في المنظومة، متحولة من صانعة لرقائق الهواتف المحمولة إلى منصة حوسبة شاملة تضع الاستدلال عالي الأداء ومنخفض الاستهلاك مباشرة عند حافة الشبكة.

فحصنا في هذا السياق الرؤية التي طرحها المدير العام للشركة في السعودية، محمد يعقوب، والتي تكشف عن إدراك مبكر بأن صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي لا يمكن أن ينجح إذا ظل محصوراً في بيئة سحابية واحدة أو شريحة معزولة. فالأنظمة التي تفكر وتتخذ قرارات وتتكيف لحظياً تحتاج إلى بنية تغطي طبقات التقنية كافة؛ ولهذا السبب تحديداً جاء استحواذ الشركة على منصة «موديولار Modular»، ليمنح المطورين أساساً برمجياً مفتوحاً يتيح تشغيل التطبيقات بكفاءة عبر معماريات متنوعة من أشباه الموصلات، دون تقييدهم بعتاد بعينه.

هذا التحول ينقل مركز الثقل من الأداء المطلق إلى معيارين حاسمين: كفاءة استهلاك الطاقة، والتكلفة المالية لكل عملية استدلال منفردة. هنا تبرز محفظة «كوالكوم دراغونفلاي Qualcomm Dragonfly»، المصممة خصيصاً لوحدات المعالجة ومسرعات الاستدلال في مراكز البيانات والحوسبة الموسعة، لتقديم أعلى أداء حوسبي مقابل كل واط كهربائي. ولم يعد هذا الطرح مجرد اختبار نظري؛ إذ يضعه التعاون المشترك مع شركة «هيوماين Humain» موضع التطبيق الميداني في المملكة العربية السعودية، حيث أصبحت «أدوبي Adobe» أول شركة برمجيات عالمية تنقل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى منصة «هيوماين» اعتماداً على قدرات «دراغونفلاي».

المعركة لا تقف عند مراكز البيانات، بل تمتد إلى الذكاء الاصطناعي المادي، وتحديداً في قطاع الروبوتات والسيارات الذكية. فبدل النهج التقليدي الذي يحمّل معالجاً واحداً عبء المهام كافة، تعتمد الهندسة الجديدة توزيع الحوسبة على طبقات متخصصة: طبقة للاستدلال والتخطيط، وأخرى للحركة في الوقت الفعلي، وثالثة للاستجابة اللحظية. ويترجم هذا التوجه معالج «دراغونوينغ آي كيو 10 Dragonwing IQ10»، الذي يدمج 18 نواة مع وحدات معالجة عصبية متعددة ورسوميات، ليوفر قدرة معالجة تصل إلى 700 تريليون عملية في الثانية على الجهاز نفسه، مما يتيح للروبوت الإدراك والتنفيذ محلياً دون الحاجة إلى مسرعات خارجية أو انتظار استجابة السحاب.

تتكامل هذه المنظومة أيضاً داخل مقصورات المركبات عبر منصة «سنابدراغون ديجيتال تشاسي Snapdragon Digital Chassis»، والتي تختبرها الشركة مع مصنعين مثل مجموعة «بي إم دبليو BMW» لتحويل المركبة إلى نظام يتوقع احتياجات السائق ويتفاعل مع مسار الرحلة لحظياً. غير أن الرهان الحقيقي يظل في تمكين المطورين؛ فبناء النموذج بحد ذاته بات متاحاً، بينما يكمن التحدي الفعلي في تشغيله بكفاءة وموثوقية على أجهزة حقيقية دون الحاجة إلى التخصص العميق في هندسة الرقائق. ولحل هذه المعضلة، يوفر مركز «كوالكوم لتطوير الذكاء الاصطناعي Qualcomm AI Hub» بيئة تتيح للمهندسين جلب نماذجهم المبنية بأطر مثل «PyTorch» أو تنسيق «ONNX»، ثم تجميعها واختبارها على عتاد حقيقي في السحابة خلال دقائق معدودة بدلاً من استنزاف أسابيع من التحسين اليدوي.

ما الذي يعنيه هذا التحول فعلياً لمهندسي البنية التحتية وقادة التقنية في الخليج ومصر والمنطقة العربية؟ المعادلة تتغير عملياً من استهلاك سحابي مفتوح إلى هندسة أنظمة تراعي التكلفة الحقيقية لكل عملية استدلال. إذا كنت تدير فريقاً هندسياً أو تبني منتجاً يعتمد على الوكلاء المستقلين، فإن الاعتماد الكامل على استدعاءات النماذج المركزية سيستنزف الميزانيات التشغيلية سريعاً؛ والبديل الواقعي هو التوجه نحو المعالجة الطرفية الموزعة. كذلك تتطلب المرحلة القادمة، مع التأسيس لمعايير شبكات الجيل السادس التي تدمج الاتصال والحوسبة والاستشعار، التخلي عن النظرة الضيقة للقطع المنفردة، واكتساب مهارات التفكير الشامل في بنية الأنظمة التي توزع المهام بمرونة بين العتاد المحلي وحافة الشبكة.

إن المشهد القادم للتقنية يتجه نحو تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداء هادئ يعمل في الأجهزة والمركبات وأرضيات المصانع دون لفت الانتباه أو فرض خطوات استخدام متعمدة. والفيصل الحقيقي في كسب هذه الجولة لن يكون لمن يمتلك أكبر نموذج في السحابة، بل لمن ينجح في موازنة كفاءة الطاقة وحماية الخصوصية وموثوقية التشغيل في الميدان الواقعي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد