تخطَّ إلى المحتوى

منصات التقنية تنظف مخلفاتها: عندما يتحول طوفان المحتوى الآلي إلى عبء يهدد بقاءها

شارك المقال
منصات التقنية تنظف مخلفاتها: عندما يتحول طوفان المحتوى الآلي إلى عبء يهدد بقاءها
الصورة: Gabriel Weyand / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

حذفت منصة «سبوتيفاي» خمسة وسبعين مليون ملف صوتي مكرر ومزعج خلال عام واحد، في حين أزالت «يوتيوب» مئة وثلاثين ألف قناة منخفضة الجودة في غضون ستة أشهر، لتكشف هذه الأرقام عن تحول متسارع داخل كبرى شركات التكنولوجيا. فبعد سباق محموم للتباهي بقدرات التوليد الآلي، نرى كبرى المنصات الرقمية اليوم غارقة في ما بات يعرف باصطلاح «نفايات الذكاء الاصطناعي»، وهو المحتوى الهامشي المفتعل بكثافة الذي أغرق نتائج البحث بوصفات طعام مضللة، وقوائم المتاجر بسير ذاتية وهمية، وخلاصات الشبكات بصور مشوهة استهدفت حصد التفاعل السريع.

تحولت وفرة المحتوى المولد آليا من أداة مبدئية لرفع معدلات التصفح إلى عبء تشغيلي يخنق المحتوى الرصين ويلوث بيئة المعلومات. هذا التوصيف لا يعكس فقط اختيار دار «ميريام-ويبستر» لتلك النفايات لتكون كلمة عام 2025، بل يترجم حالة استياء متصاعدة وثقها الباحث إيدان ووكر من «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، واصفا تلك المواد بأنها جرح متقيح يثير ضيق المستخدمين ويهدد سلامة البيئة المعرفية. المشكلة تكمن في الحجم غير المسبوق؛ إذ أعلنت خدمة «ديزر» الفرنسية أن ما يقرب من نصف المقاطع الصوتية المرفوعة يوميا إلى نظامها مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي وأغلبها لا يستمع إليه أحد، في حين تتجاوز النسبة الثلث في خدمة «آبل ميوزيك».

أظهرت تجارب أجرتها شركة «كابوينغ» أن أكثر من عشرين بالمئة من مقاطع الفيديو القصيرة المعروضة للمستخدمين الجدد على «يوتيوب» تنتمي إلى هذه الفئة الرديئة، بل إن إحدى القنوات المتخصصة في تدوير هذا الغثاء حققت أرباحا سنوية وصلت إلى 4.25 مليون دولار قبل أن توقف المنصة نظام العوائد عنها. دفع هذا الاستغلال رؤساء المنصات إلى التحرك؛ إذ أعلن نيل موهان، الرئيس التنفيذي لـ«يوتيوب»، أن إدارة هذا المحتوى باتت من أهم أولويات العام، فيما أشار آدم موسيري، رئيس «إنستغرام»، إلى أن تتبع المادة الحقيقية سيصبح قريبا المسار الأكثر جدوى مقارنة بملاحقة الزائف. غير أن خطوط الدفاع التلقائية تواجه اضطرابا عمليا؛ فبينما وفرت «لينكد إن» زرا للمستخدمين للإبلاغ عن المحتوى الرديء، واختبرت «تيك توك» أدوات للتحكم في ظهوره بعد وسم ثلاثة مليارات مقطع وحذف ثلاثمئة وسبعة وسبعين ألف فيديو، اعتمدت «سابستاك» على برمجيات فحص نصوص تصنف المنشورات التي تتجاوز مئة كلمة، فاشتكى الكتاب من اتهام نصوصهم الأصلية بالزيف نتيجة ضبابية معايير الرصد الآلي.

محاولة غسل المنصات من التلوث الرقمي تصطدم بحقيقة أن الشركات التي تقود التنظيف هي نفسها التي صنعت محركات الطوفان. تؤكد الباحثة كاميل فرانسوا من جامعة كولومبيا أن المشهد يعكس أزمة هيكلية عميقة في منظومة المعلومات برمتها، وليست مجرد فئة معزولة يمكن استئصالها بضغطة زر، محذرة من أن المنصات التي تخفق في إدارة هذا الميزان ستدفع المستخدمين نحو النزوح إلى فضاءات أخرى. ويفسر بول شوفلين، الأكاديمي المتخصص في جامعة أوهايو، تلك المفارقة بأن التدفقات الرخيصة التي غذت التفاعل في البداية تراكمت لتتحول إلى ركام يحجب المحتوى عالي الجودة ويقوض ثقة الجمهور بالخدمات القائمة.

في قراءتنا لتحولات المشهد التقني، يرسم هذا المسار العالمي واقعا جديدا لفرق التسويق، ومطوري المنصات، والمؤسسات الإعلامية في الخليج ومصر والمنطقة العربية. الاعتماد على الأتمتة الكاملة لتوليد مقالات ومقاطع مكررة بهدف تصدر محركات البحث فقد جدواه، وتحول إلى مخاطرة صريحة تعرض الحسابات للمنع وإلغاء تحقيق الدخل من قبل خوارزميات المنصات العالمية. عندما تراجع استراتيجيتك الرقمية اليوم، تجد أن القيمة السوقية تعود بسرعة نحو الإنتاج البشري الموثق والبيانات المرجعية المتخصصة؛ فالاستثمار في التحقيق الرصين يظل الضمانة الوحيدة لحماية الحضور المؤسسي في سوق تتجه أدواته الصارمة نحو معاقبة الركاكة الآلية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد