تخطَّ إلى المحتوى

«بين قيود التبريد وفخاخ الهلوسة: فجوة التشغيل تحاصر التوسع المتسارع للنماذج التوليدية»

شارك المقال
«بين قيود التبريد وفخاخ الهلوسة: فجوة التشغيل تحاصر التوسع المتسارع للنماذج التوليدية»
الصورة: Valentin Lacoste / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

لم يعد التوسع في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «شات جي بي تي» التابع لشركة «أوبن إيه آي» ومنافسه الصيني «ديب سيك» ونماذج «جيميناي» و«ميتا إيه آي»، مسألة استعراض تقني مجرد، بل بات يواجه حدودا تشغيلية صارمة تتعلق بالدقة واستهلاك الموارد. تكشف الوقائع الميدانية أن قدرة هذه الأنظمة على محاكاة المحتوى البشري وتوليد النصوص والبرمجيات والمقاطع المصورة، عبر أدوات مثل «ميدجورني» و«فيو 3»، تقابلها اختلالات بنيوية، في مقدمتها ظاهرة الهلوسة واختلاق مراجع غير صحيحة، إلى جانب التحيزات الاجتماعية الموروثة من بيانات التدريب العامة.

تراجع الشركات الكبرى عن ميزات أطلقتها يوضح حجم الفجوة بين التسويق والواقع التشغيلي؛ فقد اضطرت شركة «أبل» في مطلع عام 2025 إلى سحب خاصية ذكاء اصطناعي بعدما أنتجت ملخصات غير دقيقة لإشعارات التطبيقات الإخبارية، بالتزامن مع انتقادات واجهتها شركة «غوغل» بسبب أخطاء ملخصات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. تتزامن هذه العثرات الفنية مع تحذيرات اقتصادية أوسع، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يطال ما يقارب 40 في المئة من الوظائف حول العالم ويعمق عدم المساواة المالية، وهو ما يترافق مع تصاعد الاعتراضات الحقوقية والأخلاقية من آلاف المبدعين والكتاب، ومنهم إيان رانكين وجوليان مور وبيورن أولفيوس، الذين وقعوا بيانا يعتبر استغلال أعمالهم دون إذن تهديدا غير عادل لمعيشتهم، فضلا عن مطالبات فنانين مثل بيلي إيليش بإنهاء الممارسات الاستغلالية في الموسيقى.

البنية التحتية للحوسبة تواجه معضلة بيئية حادة تعطل خطط التوسع؛ فبناء الرقائق الإلكترونية المتقدمة وتشغيل مراكز البيانات الضخمة التي تضم آلاف الرفوف من الخوادم يتطلبان مقادير هائلة من الطاقة والمياه للتبريد. يقدر باحثون أن استهلاك قطاع الذكاء الاصطناعي من الكهرباء قد يعادل قريبا إجمالي استهلاك هولندا بأكملها. هذه الضغوط المائية دفعت شركة «غوغل» في سبتمبر 2024 إلى إعادة النظر في مقترح إنشاء مركز بيانات في تشيلي بسبب الجفاف، في حين برزت في بريطانيا مخاوف من تأثير مراكز الحوسبة على شبكات مياه الشرب، مما يجبر المشغلين على تجربة تقنيات التبريد الهوائي وإعادة تدوير المياه للتخفيف من وطأة الاستهلاك.

يترافق هذا الاختناق المادي مع تباين تنظيمي عالمي عميق؛ إذ يفرض قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي رقابة مشددة على الأنظمة عالية المخاطر في مجالات التعليم والرعاية الصحية وإنفاذ القانون مع حظر بعضها بالكامل، بينما تلزم الصين مطوري النماذج بحماية البيانات والالتزام بمعايير الرقابة الحكومية، في حين تكتفي بريطانيا بتعديل قوانينها القائمة لمواجهة مخاطر التزييف العميق والمحتوى غير المشروع، مع تأسيس معهد مستقل لأمن الذكاء الاصطناعي وتوقيع اتفاقيات فحص مشترك مع الولايات المتحدة، رغم امتناع البلدين في مطلع عام 2025 عن توقيع إعلان عالمي يضمن مسارا مستداما وشاملا للتقنية.

هذا المشهد العالمي يفرض على القيادات التقنية والمؤسسات في الخليج ومصر والمشرق العربي إعادة ضبط خطط التحول الرقمي بصورة عملية. إذا كنت تدير فريقا برمجيا أو تقود التحول الرقمي في مصرف أو جهة خدمية، فإن أخطاء التلخيص والهلوسة تعني أن الاعتماد على النماذج التوليدية كأنظمة مستقلة يحمل مخاطر قانونية وتشغيلية مباشرة؛ مما يستوجب التحول من الاكتفاء بصياغة الأوامر إلى بناء طبقات تدقيق بشري وهندسة تقييم صارمة قبل إطلاق أي خدمة للمتعاملين. ومن جهة أخرى، فإن التكاليف المتصاعدة لتبريد مراكز البيانات واستهلاكها للطاقة في البيئات الصحراوية ترفع فواتير الاستضافة والحوسبة السحابية، مما يفرض على فرق العمل في مصر والشام، في ظل القيود التمويلية، التوجه نحو النماذج مفتوحة المصدر وعالية الكفاءة لتقليص نفقات الاستدلال وتفادي التبعية للمنصات المغلقة عالية الكلفة.

نرى في هيئة التحرير أن المرحلة الحالية تضع حدا للاندفاع غير المحسوب خلف الوعود النظرية للذكاء الاصطناعي. إن انقسام الآراء بين تحذيرات جيفري هينتون من فناء البشرية ودعوات داريو أمودي لتهدئة وتيرة التطوير من جهة، وتشكيك يان ليكون في تلك المخاوف من جهة أخرى، يعكس حقيقة أن التحدي الحقيقي يكمن في الحاضر: كفاءة استهلاك المياه والكهرباء، وضبط موثوقية المخرجات، وبناء أطر حوكمة محلية تتكيف مع تباين المعايير الدولية دون تعطيل وتيرة الابتكار.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد