تخطَّ إلى المحتوى

ماذا بعد؟

شارك المقال
ماذا بعد؟
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

استمع لهذا المقال

بصوت كريم (Karim)

قبل أن نكمل… أين وصلنا؟

في المقال الأول تحدثنا عن حدود استخدام الذكاء الاصطناعي، وعن بقاء المسؤولية والقرار في يد الإنسان.

وفي المقال الثاني انتقلنا خطوة أبعد، وسألنا كيف يمكن للنموذج أن يؤثر في القرار حتى من دون أن يتخذه بنفسه؛ من خلال ما يختاره، وما يلخصه، وما يضعه أمامنا في مقدمة الأولويات.
وفي الحالتين كانت الفكرة واحدة: استخدام الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من الثقة فيه أو الخوف منه، بل من فهم دوره.
لكن إذا كان سيصبح جزءًا من عملنا اليومي، فهناك سؤال أبسط وأكثر عملية:
هل نعرف أصلًا كيف نتحدث معه؟
لأن جودة ما نحصل عليه منه تبدأ، في كثير من الأحيان، من جودة ما نعطيه له.

الذكاء الاصطناعي أصبح لغة عصر… وليس مجرد برنامج

أتذكر عندما كان إتقان الإنجليزية، أو أي لغة أجنبية، يمثل ميزة حقيقية في سوق العمل.
لم يكن الأمر مجرد معرفة كلمات أكثر.
كان عليك أن تعرف كيف تعبّر عن فكرتك، وكيف تسأل، وكيف تشرح المشكلة، وكيف تختار المصطلح المناسب للسياق.
أعتقد أننا ندخل اليوم مرحلة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي.
لا أقصد أنه «لغة» بالمعنى الحرفي، لكنه أصبح "وسيلة جديدة للتعامل مع المعرفة والعمل".
الجميع تقريبًا يستطيع أن يفتح ChatGPT أو أي أداة مشابهة ويكتب سؤالًا.
لكن امتلاك الأداة لا يعني بالضرورة إجادة استخدامها، تمامًا كما أن امتلاك قاموس إنجليزي لا يعني أنك تتحدث الإنجليزية.
هناك فرق كبير بين شخص "يستخدم AI" وشخص يعرف "كيف يتحاور معه للحصول على ما يريده فعلًا".
وأعتقد أن هذه المهارة ستصبح مع الوقت جزءًا طبيعيًا من مهارات العمل، مثل كتابة البريد المهني، أو إعداد عرض، أو شرح مهمة لفريق.

قبل أن نتحدث معه… ما الذي نتحدث معه أصلًا؟

عندما نتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فنحن غالبًا نتعامل مع ما يسمى "النموذج اللغوي الكبير" أو ما يسمى بال
"Large Language Model – LLM".
وبصورة مبسطة جدًا، هو نموذج قادر على التعامل مع اللغة والمعلومات التي نقدمها له، ثم إنتاج نصوص، وتلخيص، ومقارنة، وتصنيف، وتنظيم، والمساعدة في التحليل.
لكن هناك شيئًا مهمًا جدًا يجب أن نتذكره:
النموذج لا يرى الصورة الموجودة في رأسك.
هو لا يعرف لماذا تسأل.
ولا يعرف مشروعك.
ولا يعرف العميل.
ولا يعرف ما الذي تعتبره أنت مهمًا… إلا إذا أخبرته.
وهنا تظهر ثلاثة مفاهيم أساسية:
المدخلات (Input): المعلومات التي نعطيها للنموذج.
السياق (Context): الخلفية التي تجعله يفهم معنى هذه المعلومات ولماذا نستخدمها.
التوجيه (Prompt): ما الذي نطلب منه أن يفعله بهذه المعلومات.
ثم نحصل في النهاية على:
المخرجات (Output).

إذن المعادلة ليست:
Prompt جيد = إجابة جيدة.
الموضوع أوسع قليلًا:
معلومات مناسبة + سياق واضح + طلب محدد + حدود واضحة = مخرجات أقرب لما تحتاجه فعلًا.

«راجع هذا التقرير»… لنبدأ من هنا

لنفترض أن لدي تقرير تفتيش، وأردت استخدام AI لمساعدتي في مراجعته.
أكتب:
"راجع هذا التقرير".
ماذا أتوقع أن يحدث؟
النموذج سيحاول أن يفهم كلمة «راجع» بطريقته.
قد يصحح اللغة.
قد يلخص التقرير.
قد يعلق على المحتوى.
وقد يبحث عن أخطاء يراها هو مهمة.
ثم أنظر إلى النتيجة وأقول:
هذه ليست المراجعة التي كنت أريدها.

لكن الحقيقة أنني لم أقل له أصلًا ما المراجعة التي أريدها.

إذن نبدأ بتحسين الطلب.

> تصرف كمراجع QA/QC وراجع تقرير الفحص المرفق.
أفضل.
أصبح لديه دور.

لكن ما زالت هناك أسئلة.
هل أريده أن يراجع اللغة؟
أم اكتمال البيانات؟
أم المطابقة الفنية؟

لذلك نضيف المهمة:
> تصرف كمراجع QA/QC. راجع تقرير الفحص المرفق للتأكد من اكتمال البيانات واتساق المعلومات داخله.
الآن أصبحت المهمة أكثر وضوحًا.
لكن يمكن أن نذهب خطوة أخرى.

السياق… هو الجزء الذي غالبًا ننساه

لنفترض أن هذا التقرير سيصدر للعميل، وأن المطلوب حاليًا هو Document Review فقط، وليس اتخاذ قرار قبول أو رفض.
هذه معلومة أعرفها أنا.
لكن النموذج لا يعرفها.

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

إذن أضيف:

> التقرير مخصص للإصدار النهائي للعميل. المطلوب هو مراجعة اكتمال البيانات والتناسق الداخلي فقط، وليس اتخاذ قرار فني بالقبول أو الرفض.

هنا فعلت شيئًا مهمًا.
أنا لم أعطه معلومات أكثر فقط.
أنا نقلت إليه جزءًا من الصورة الموجودة في رأسي.

وهذا هو السياق.

وفي رأيي، السياق أحيانًا أهم من صياغة الـPrompt نفسها.

لأن الطلب:

> لخص هذا المستند.

مختلف تمامًا عن:

> لخص هذا المستند لمدير غير فني يحتاج إلى فهم المخاطر الرئيسية قبل اجتماع مع العميل بعد ساعة.

المستند نفسه.

لكن السياق غيّر المطلوب بالكامل.

الآن أعطه المرجع

نعود إلى تقريرنا.
لدي أيضًا Procedure ومواصفة مشروع.
إذن بدل أن أترك النموذج يعتمد على معرفته العامة، أقول له:

> استخدم التقرير والإجراء والمواصفة المرفقين فقط كمصادر للمراجعة.

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

هنا أصبحت المدخلات أفضل.
أنا لا أقول له فقط:
«اعرف الإجابة.»
بل أقول:
هذه هي المعلومات التي أريدك أن تعمل داخلها.
وهذا فرق مهم جدًا.
إذا كنت أريد مراجعة عقد، أعطيه العقد.
إذا كنت أريد تحليل سياسة، أعطيه السياسة المعتمدة.
إذا كنت أريد مقارنة إصدارين، أعطيه الإصدارين.
وإذا كنت أريد تحليل بيانات فعلية، أعطيه البيانات بدل أن أطلب منه أن يتخيلها.
الذكاء الاصطناعي لا يعرف أن هناك إصداراً (Revision) جديدًا في بريدك الإلكتروني.
ولا يعرف أن العميل غيّر المتطلبات "Requirements" أمس.
ولا يستطيع قراءة ملف لم تعطه له.
أحيانًا لا تكون المشكلة أن AI لم يفهم.

المشكلة أننا افترضنا أنه يعرف شيئًا لم نخبره به أصلًا.

ثم ضع الحدود

ما زال هناك شيء ناقص.
أنا لا أريد أن يرى النموذج معلومة غير مكتملة ثم يخترع ما يعتقد أنه منطقي.
إذن أضيف:
> لا تفترض أي معلومة غير موجودة، ولا تضف معيار قبول أو رقم بند من معرفتك العامة. إذا كانت هناك معلومة غير متاحة، حددها بوضوح على أنها تحتاج إلى مراجعة بشرية.
هنا لم أقل فقط ماذا أريد.
قلت أيضًا ماذا لا أريد.
وهذه واحدة من أهم مهارات التعامل مع AI.
لأن النموذج، إذا تركت أمامه فراغًا، قد يحاول أن يكون مفيدًا ويملأه.
لكن «المساعدة» ليست دائمًا ما نحتاجه.
أحيانًا أفضل إجابة يمكن أن يقدمها النموذج هي:
المعلومة غير موجودة.

والآن… حدد شكل المخرجات

وصلنا تقريبًا إلى الطلب الكامل.
لكن ما زال بإمكاني تحديد شكل النتيجة:
> اعرض النتائج في جدول من أربعة أعمدة:
> الملاحظة – موقعها في التقرير – المرجع المرتبط بها – الإجراء المطلوب.
> صنّف كل ملاحظة إلى: نقص بيانات، تعارض معلومات، أو نقطة تحتاج إلى تحقق بشري.

الآن قارن بين البداية:
> راجع هذا التقرير.

والنهاية:
> تصرف كمراجع QA/QC. التقرير المرفق مخصص للإصدار النهائي للعميل. راجعه من حيث اكتمال البيانات واتساق المعلومات فقط، وليس لاتخاذ قرار قبول أو رفض. استخدم التقرير والإجراء والمواصفة المرفقين فقط. لا تفترض معلومات أو معايير قبول أو أرقام بنود غير موجودة. ضع أي نقطة غير مؤكدة تحت بند «تحتاج إلى تحقق بشري». اعرض النتائج في جدول يوضح الملاحظة، موقعها، المرجع المرتبط بها، والإجراء المطلوب.

الفرق بين الاثنين ليس أن الثاني «Prompt عبقري».
الفرق أنني عرفت ماذا أريد، ثم شرحت ذلك بوضوح.
وهنا بالنسبة لي توجد مهارة المستقبل الحقيقية.

الأمر لا يخص QA/QC فقط

يمكن تطبيق المنطق نفسه على أي تخصص.

مدير الموارد البشرية بدل أن يقول:
> راجع هذه السير الذاتية.
يستطيع أن يحدد الوظيفة، ومتطلباتها، وما الذي يريد مقارنته، وما الذي لا يريد للنموذج أن يستنتجه.

وخدمة العملاء بدل:
> حلل الشكاوى.
يمكن أن تحدد الفترة، وطريقة التصنيف، والنتيجة المطلوبة، وما إذا كانت تريد الأسباب الجذرية أم مجرد الأنماط المتكررة.

والمدير المالي بدل:
> حلل الأرقام.
يحدد البيانات، والفترة، والمؤشرات التي تهمه، والشكل الذي يريد أن يرى النتيجة به.

الأداة واحدة، و لكن جودة الاستخدام تختلف جذريًا حسب قدرة المستخدم على تحويل ما في رأسه إلى سياق وتعليمات واضحة.

وأحيانًا… دعه يسألك هو

هناك أسلوب أستخدمه وأراه مفيدًا جدًا، خصوصًا عندما تكون المهمة معقدة.
بدل أن أفترض أنني أعطيت النموذج كل ما يحتاجه، أقول:
> قبل أن تبدأ، اسألني عن أي معلومات ناقصة تحتاجها لتنفيذ المهمة بشكل أفضل.

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

فجأة تتحول العلاقة من سؤال وجواب إلى حوار.

قد يسألني:
ما الإصدار المعتمد؟
ما الجمهور المستهدف؟
هل تريد مراجعة فنية أم لغوية؟
ما شكل النتيجة المطلوبة؟
وأحيانًا تكمن قيمة السؤال في أنه يجعلني أنا أكتشف أن المطلوب لم يكن واضحًا في رأسي من البداية.

وهنا يصبح AI أكثر من أداة للإجابة.

يصبح أداة تساعدك على صياغة المشكلة نفسها بشكل أفضل.

هل نحتاج جميعًا أن نصبح Prompt Engineers؟

في رأيي، لا.
لا أعتقد أن كل موظف سيحتاج إلى لقب «مهندس أوامر (Prompt Engineer)».
كما أننا لا نسمي كل شخص يكتب بريدًا جيدًا «مهندس بريد إلكتروني».
ما نحتاجه هو مهارة أبسط وأكثر أهمية:
وضوح التفكير قبل وضوح الطلب.

قبل أن تتحدث مع AI، اسأل نفسك:
ماذا أريد منه بالضبط؟
ما المعلومات التي يحتاجها؟
ما السياق الذي لا يعرفه؟
ما المصدر الذي أريده أن يعتمد عليه؟
ما الحدود التي لا أريده أن يتجاوزها؟
وبأي شكل سأستخدم النتيجة؟
إذا عرفت الإجابات، فأنت بالفعل تتحدث مع AI بلغة أفضل.

ما يعنيه لك

أعتقد أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي سيصبح واحدة من لغات العمل الجديدة.

ليس لأن له كلمات وقواعد نحفظها.
بل لأن هناك من سيعرف كيف يعبّر له عن المطلوب بدقة، وهناك من سيظل يكتب سؤالًا عامًا ثم ينتظر نتيجة مثالية.
الأدوات ستكون متاحة للجميع تقريبًا.
لكن الفرق الحقيقي لن يكون فقط في من يملك AI.
سيكون في من يعرف كيف يستخدم السياق والمعلومات والتعليمات لتحويله إلى أداة عمل حقيقية.

لذلك ربما لا يكون السؤال القادم:

هل تعرف استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل:

هل تعرف ماذا تريد منه أصلًا… وهل تستطيع أن تنقل له الصورة الموجودة في رأسك؟

لأن النموذج قد يكون ذكيًا جدًا.
لكن ما زالت هناك معلومة واحدة لا يستطيع الوصول إليها وحده:
ما الذي كنت تقصده أنت.
......يتبع


عن الكاتب: خالد صالح استشاري مراقبة التفتيش والجودة ومهندس فلزات، بخبرة تتجاوز عشرين عامًا في سلامة الأصول والتفتيش ومكافحة التآكل في قطاعي الطاقة والصناعة، ويعمل من الرياض على أتمتة سير عمل التفتيش بالذكاء الاصطناعي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد