بعد سنة من استخدام الذكاء الاصطناعي في QA/QC: اكتشفت أن الاختبار الحقيقي ليس للآلة
استمع لهذا المقال
بصوت سلمى (Salma)
عدى تقريبًا سنة وأنا باستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل فعلي في أعمال ضمان ومراقبة الجودة (Quality Assurance / Quality Control – QA/QC).
مش استخدام من نوع: «اكتب لي إيميلًا أحسن» أو «لخّص لي هذا النص»، و بس.
بتكلم عن استخدامه وسط تقارير تفتيش، ومواصفات فنية، وإجراءات، وملاحظات ميدانية، وحالات عدم مطابقة، ومراجعات، ومفتشين بيشتغلوا في أكثر من موقع، وعميل مستنى إجابة، وقرار فني لا يحتمل التخمين.
في البداية كنت منبهر.
مهمة كانت بتأخذ نصف ساعة بقت تُنجز في دقائق.
ملاحظات مفتش inspector مكتوبة بسرعة ممكن ترتيبها.
تقرير ضعيف الصياغة ممكن تحسينه.
وثيقة طويلة ممكن تلخيصها.
مراسلة فنية email يمكن ضبط لغته قبل إرساله إلى العميل.
وسألت نفسي وقتها:
هو إحنا كنا بنضيّع كل الوقت ده في إيه؟
لكن بعد فترة السؤال إتغيّر.
وبقى:
هل ممكن عشان نوفر الوقت… نضيّع الجودة نفسها؟
بعد سنة، وصلت إلى نتيجة ربما تكون أهم من كل اللى اتعلمته عن كتابة الأوامر أو اختيار الأدوات:
الذكاء الاصطناعي مش بيختبر التكنولوجيا بس. هو بيختبر ثقافة الجودة اللي بنشغل بيها .
إذا كانت منظومتك منضبطة، ممكن نزيدها كفاءة.
أما إذا كانت ثقافتك أصلًا قائمة على «عدّيها»، و«المهم التقرير يطلع»، فالذكاء الاصطناعي بيخلى المشكلة أسرع… وأجمل في الشكل.
وهنا بالضبط يبتدى القلق.
أول مرة بدأت أشك في الإجابة الجميلة
من أكثر الحاجات التي اتعلمتها بسرعة أن جودة الصياغة لا تعني جودة المعلومة.
في مره كنت براجع نقطة فنية، واستخدمت النموذج للمساعدة في تحديد المرجع المناسب.
انبهرت من الإجابة المرتبة جدًا.
التفسير المنطقي.
المصطلحات الصحيحة.
ورقم البند اللى موجود بمنتهى الثقة !!!.
لو كنت بدور بس على إجابة سريعة، كان من السهل جدًا أنى أعتمد على الاجابه اللى طلعت من لنموذج.
لكنني شكيت و فتحت المرجع.
وهنا ظهرت المشكلة.
رقم البند لم يكن يقود إلى ما ادعته الإجابة بالطريقة التي عُرض بها.
اللحظة دى بالنسبة لي كانت أهم من عشر محاضرات عن الهلوسة (Hallucination).
لأني فهمت الخطر بشكل عملي.
المشكلة مش دائمًا أن الذكاء الاصطناعي يدينى كلام واضح الخطأ.
أحيانًا يدينى خطأ شكله محترف جدًا.
والخطأ الواضح سهل الإمساك به.
أما الخطأ اللى مكتوب بصياغة جيدة، ومصحوب بتفسير واثق، ممكن يعدى إذا كان اللى بيراجعه عايز يصدّقه.
ومن وقتها أصبحت لدي قاعدة شخصية:
لا أستخدم نبرة الثقة في إجابة الذكاء الاصطناعي كبديل عن التحقق من المصدر.
فى مراقبه و توكيد الجوده، المرجع المعتمد هو اللى بيحكم.
مش شكل الإجابة.
ولا سرعة ظهورها.
ولا مدى اقتناع النموذج بنفسه.
هل أتعامل معاه كمساعد… أم كخبير؟
السؤال دا دايما برجعله.
لو انضم إلى فريقي مهندس جديد، فمن الطبيعي أنى أطلب منه إعداد مسودة قائمة فحص (Checklist)، أو تلخيص متطلبات، أو مراجعة مستند وكتابة ملاحظاته.
لكن هل أعتمد النتيجة من دون مراجعة؟
طبعاً لأ.
وهنا بدأت ألاحظ مفارقة غريبة.
أحيانًا نراجع عمل مهندس لديه سنوات من الخبرة، ثم نقبل إجابة ظهرت من نموذج في عشر ثوانٍ لأن «شكلها مضبوط».
لكن في الجودة، «شكلها مضبوط» مش حاجة بنعتمد عليها أصلا.
إما أن المعلومة تم التحقق منها، أو لم يتم التحقق منها.
وهنا حددت لنفسي مكان الذكاء الاصطناعي.
هو من أسرع المساعدين اللى اتعاملت معاهم.
مش بيمل من إعادة الصياغة.
مش بيعترض إذا طلبت منه مراجعة النص مرة تانه و تالته.
يقدر ينظم كمية كبيرة من المعلومات بسرعة.
لكن هناك فرقًا جوهري بينه وبين أي شخص مسؤول داخل المنظومة:
هو لا يملك توقيعًا يتحمل نتيجته.
وأنا أملك.
المفاجأة: الجودة تعرف كيف تتعامل مع AI أصلًا
في البداية، لم بدأت أقرأ عن حوكمة الذكاء الاصطناعي (AI Governance)، لقيت كلمات كثيرة مألوفة:
التتبّع.
التحقق.
الصلاحيات.
الضوابط.
المراجعة البشرية.
إدارة المخاطر.
وسألت نفسي:
هو إحنا مش بنعمل الكلام ده من سنين؟
فكر فيها كده.
عندنا Procedures.
عندنا Records.
عندنا Traceability.
عندنا Nonconformance.
عندنا Corrective Action.
وعندنا Audits.
إذن ممكن ما نحتاجش لاختراع فلسفة جودة جديدة للذكاء الاصطناعي.
ممكن بس نحتاج أننا نرفض إعفاءه من الفلسفة اللي بنطبقها على كل حاجه تانيه.
إذا دخل الذكاء الاصطناعى في عملية ، لازم أعرف النقطه الى ابتدى منها.
إذا ساعد في إعداد محتوى فني، لازم يكون واضح مين اللى راجع المحتوى.
إذا حصلت غلطه، ما ينفعش نقول: «النموذج غلط».
نسأل:
ليه الغلطه دى عدت ؟
هل المدخل كان مش واضح؟
هل المستخدم طلب استنتاج مالوش مرجع؟
هل المراجعة تمت بطريقة صحيحة؟
هل فيه نقطة تحكم بشرية فعلية، ولا مجرد افتراض أن حد «أكيد راجع»؟
دى مش أسئلة IT بس.
دى أسئلة جودة.
ويمكن يكون دور ال QA/QC أكبر مما نتخيل في عصر الذكاء الاصطناعي.
الـPrompt مهم… لكن مش سحر
هندسة الأوامر (Prompt Engineering) مهمة أكيد.
لكنني مش شايفها فى مجال مراقبه الجوده مهارة غامضة أو مجموعة عبارات سحرية.
بالنسبة لي، الطلب الجيد شبه تعليمات الفحص الجيدة.
بحدد المهمة.
بحدد المرجع.
بحدد حدود العمل.
بحدد ما لا يجوز افتراضه.
واطلب توضيح النقط اللي بتحتاج لمراجعة بشرية.
فإذا كتبت:
“Prepare a welding checklist.”
فأنا في الحقيقة اديته تعليمات ناقصة.
أي إصدار؟
أي نطاق؟
أي نوع من اللحام؟
اى مواصفة المشروع؟
هل انا محتاج قائمة عامة ولا قائمة مرتبطة بنشاط محدد؟
وهل يُسمح للنموذج بتوليد معايير قبول ولا بس استخراج اللى بيظهر في المرجع المتقدم ليه؟
المشكلة كده مش دائمًا «ذكاء اصطناعي غير موثوق».
أحيانًا المشكلة أن المستخدم نفسه مش بيحدد المطلوب بشكل يسمح بإنتاج نتيجة يمكن التحكم فيها.
وهنا تتحول صياغة الأمر من مجرد مهارة استخدام إلى وسيلة للتحكم في المخاطر.
وعند WPS تبدأ الحدود الحقيقية
خذ مثال مواصفة إجراء اللحام (Welding Procedure Specification – WPS).
هل أستطيع استخدام AI لإعداد قائمة مراجعة؟
نعم.
هل يمكنه تلخيص بعض المتطلبات أو المقارنة بين بيانات موجودة ومعلومات محددة؟
نعم.
هل يمكنه مساعدتي في اكتشاف خانة ناقصة أو نقطة تستحق الانتباه؟
بالتأكيد.
لكن هل أسلمه WPS وأقول له:
“Approve or Reject?”
هنا الإجابة بالنسبة لي واضحة.
لا.
مش عشان النموذج مش قادر يقول «Approve» أو «Reject».
هو ييقدر.
بس المشكلة هي أنه يقول الكلمة مش هو دا القرار.
القرار مرتبط بكفاءة الشخص، وصلاحيته، والكود المعتمد، ومواصفات المشروع، والوثائق الداعمة، ومسؤوليته المهنية.
كده مش مسأله قدرة تكنولوجية.
كده مسألة مساءلة (Accountability).
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في إعداد القرار.
لكن مش ممكن يبقى هو صاحب القرار.
وعند الإفراج عن المنتج يصبح السؤال أخطر
الأمر نفسه ينطبق على الإفراج عن المنتج (Product Release).
ممكن للذكاء الاصطناعي أنه يلخص حالة تقارير التفتيش.
ممكن يرتب البنود المفتوحة.
ممكن يراجع قائمة الملاحظات.
وقد يساعد في تحديد مستندات تبان ناقصة.
كل دا مفيد جدًا.
لكن قرار Release لا يعيش داخل ملخص نصي فقط.
دا وراه شهادات مواد.
تقارير اختبار.
حالات عدم مطابقة.
معايير قبول.
نقاط توقف (Hold Points).
متطلبات عميل.
وتوقيعات وصلاحيات محددة.
ويمكن البيانات اللى أخدها النموذج ناقصة أصلًا.
وهنا يظهر السؤال اللى لازم نقف عنده:
مين يتحمل مسؤولية اللى لم يره النموذج؟
إذا كان اخر تقرير ما أترفعش ؟
إذا كانت فيه NCR مفتوحة و ما دخلتش ضمن البيانات؟
إذا استُخدمت مواصفة بإصدار غير معتمد؟
النموذج يستطيع أن يحلل اللى معاه.
لكنه لا يتحمل مسؤولية اللى مش عنده.
وأحيانًا، أخطر قرار خاطئ هو ذلك القرار المبني على تحليل ممتاز… لمجموعة بيانات ناقصة.
السرية
يمكن دى من أكثر المناطق اللي بتحتاج نضج و وعى داخل المؤسسات.
لأن الحماس للإنتاجية يدفع المستخدم بسهولة إلى التفكير:
ارفع المواصفة كلها.
ارفع التقرير.
ارفع الـNCR.
خليه يقرأ كل حاجه ويوفر علينا الوقت.
جميل.
لكن قبل أن تضغط Upload، فى سؤال أهم:
هل من حقي أصلًا أنى ارفع المعلومات هنا؟
مواصفات العميل.
رسومات المشروع.
شهادات المواد.
تقارير الاختبارات.
المعلومات التجارية.
بيانات الموردين.
كلها قد تخضع لالتزامات تعاقدية أو سياسات داخلية.
وهنا لا تكفي النية الحسنة.
قد يكون الموظف محتاج بس إنجاز شغله أسرع، لكنه في الوقت نفسه ينقل معلومات إلى أداة غير معتمدة.
النية كويسة… بس المخالفة تفضل مخالفة.
و عشان كده موضوع السرية عندي جزء من عملية الجودة نفسها، وليس ملحق تقني.
بعد سنة… هل أثق في الذكاء الاصطناعي؟
نعم.
ولا.
أثق فيه كأداة.
أثق في قدرته على تسريع الكتابة والتنظيم والتحضير والمقارنة الأولية.
أثق في أنه يمكن أن يجعل يوم العمل أكثر كفاءة.
لكنني لا أتعامل معه كمرجع نهائي في معلومة فنية حرجة.
ولا كصاحب اعتماد.
ولا كبديل عن الشخص المختص.
وهذا ليس تناقضًا.
أنا أثق في جهاز القياس، بس براجع حالة المعايرة.
أثق في المفتش، و براجع الصلاحيات والكفاءة.
أثق في تقرير الاختبار، لكنني بتأكد من التتبّع.
ليه يكون الذكاء الاصطناعي هو العنصر الوحيد داخل منظومة الجودة الذي يُطلب منا أن نثق فيه من غير ضوابط؟
المشكلة فعلًا مش دائمًا في AI
بعد سنة، يمكن دى أكثر نتيجة بقيت مقتنع بيها.
لو استخدم شخص AI عشان يملأ بيانات غير موجودة، فالمشكلة مش في النموذج وحده.
لو نسخ مهندس رقم بند من غير ما يفتحه، فالمشكلة ليست في النموذج وحده.
لو عدت نتيجة فنية لأن صياغتها تبدو قوية، فعندنا مشكلة في المراجعة، مش في التكنولوجيا بس.
الذكاء الاصطناعي يكشف ثقافة المؤسسة.
إذا كانت الثقافة قوية، حيكون أداة قوية داخلها.
أما إذا كانت الثقافة ضعيفة، فممكن يعمل حاجه أخطر:
الذكاء الاصطناعي مش بيصلح نظام جودة ضعيف. في بعض الحالات، هو بس بيخلى النظام الضعيف يطلع بمستندات أجمل.
وده مش تحول رقمي.دى مشكلة قديمة لابسه بدلة جديدة.
من الآخر
بعد سنة من الاستخدام، السؤال عندي اتغير.
مش بسأل بس:
هل الفريق بيستخدم الذكاء الاصطناعي؟
بقيت أسأل:
بيستخدمه فى ايه؟
نوع البيانات اللي بتدخل عليه؟
ايه نوع المخرجات اللي نعتمد عليها؟
مين بيتحقق منها؟
وايه القرارات اللى لازم تفضل بشرية التحكم مهما أصبحت الأداة أكثر قدرة؟
بالنسبة لي، مستقبل AI في QA/QC مش بيتحدد فقط بمدى ذكاء النماذج.
بيتحدد بمدى نضج منظومات الجودة اللي بتستقبلها.
وما زلت أتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأنه عضو جديد جدًا في الفريق:
سريع.
ذكي.
مفيد.
ويستحق أن نستفيد منه قدر الإمكان.
لكن إذا قال لي في معلومة فنية حساسة:
«أنا متأكد.»
فإجابتي ما زالت نفسها:
تمام… ورّيني المرجع.
وحتى لو أحضر المرجع؟
هفتحه أنا.
لأن الخلاصة بالنسبة لي بعد سنة كاملة ليست أننا نحتاج إلى مقاومة الذكاء الاصطناعي، ولا أن نسلّمه العمل كله.
الخلاصة أبسط:
سيبه يساعدك في إعداد القرار… بس وعى تسيبه يمتلك القرار.