«العفو الدولية» تطالب بحظر نماذج التوليد القائمة على تجريف البيانات: مسارات التدريب غير المشروعة تهدد هندسة الأنظمة
استمع لهذا المقال
بصوت نورة (Noura)
تعتمد كبرى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في العالم على مسارات تجريف مؤتمتة لمليارات المنشورات والصور الشخصية دون موافقة صريحة من أصحابها، في ممارسة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها تجعل هذه الأنظمة غير مشروعة بحكم تصميمها. وجاء في تقرير موجز جديد للمنظمة أن الشركات التقنية تستخرج كميات هائلة من البيانات المتاحة عبر الإنترنت بتقنيات غير مشروعة لتطوير منتجاتها، مما يتسبب في انتهاكات واسعة النطاق لخصوصية المستخدمين.
وشمل فحص المنظمة النماذج المشغلة لأبرز الأدوات الشائعة والمتاحة للعامة، وفي مقدمتها نموذج «جي بي تي 3» من شركة «أوبن إي آي»، ونموذج «جيميني» التابع لشركة «غوغل»، ونموذج «لاما» من شركة «ميتا»، إلى جانب نماذج «ديب سيك»، وأدوات التوليد الصوري «ميدجيرني» و«ستيبل ديفيوجن». وأكد التقرير أن تدريب هذه النماذج استند بصورة أساسية إلى استخلاص مليارات المنشورات والصور من منصات التواصل والمواقع العامة دون إذن صريح من منشئيها أو من يظهرون فيها.
وأوضحت ليكيتا بانرجي، رئيسة مختبر المساءلة الخوارزمية في منظمة العفو الدولية، أن الشركات حول العالم تطرح منتجات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحت غطاء الكفاءة والتطور، بينما تكرس في واقع الأمر انتهاكات ممنهجة للخصوصية. وأشارت بانرجي إلى أن هذه العملية المؤتمتة تسحب النشاط الشخصي والصور الخاصة وتدمجها مباشرة في أوزان النماذج، مما يحول البيانات الفردية إلى وقود مجاني لتدريب خوارزميات تجارية.
ولا تتوقف تداعيات هذا النهج عند انتهاك الخصوصية، إذ كشف التقرير أن التوسع في مجموعات البيانات الضخمة المستخلصة عشوائيًا يفاقم مخرجات المحتوى التمييزي والقائم على الكراهية، ويعيد إنتاج الصور النمطية السلبية والانحيازات، خصوصًا تلك القائمة على العرق أو النوع الاجتماعي. وبناء على تلك النتائج، وجهت منظمة العفو الدولية نداء مباشرًا إلى حكومات العالم لفرض حظر صريح على أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي القائمة بذاتها والتي بنيت باستخدام تقنيات غير مشروعة لاستخلاص البيانات وجمعها بكميات ضخمة.
كما امتدت تكلفة هذه المنظومة إلى البنية البيئية؛ حيث كشف تقرير الاستدامة لشركة «غوغل» لعام 2024 عن تسجيل قفزة هائلة في انبعاثات غازات الدفيئة بلغت 48 بالمئة منذ عام 2019، وأرجعت الشركة هذه الزيادة إلى متطلبات مراكز البيانات وسلاسل الإمداد. وفي السياق ذاته، قفزت انبعاثات شركة «مايكروسوفت» بنسبة 29 بالمئة بين عامي 2020 و2024، مدفوعة بتوسيع مراكز البيانات المخصصة لدعم عمليات الذكاء الاصطناعي وحساباته المعقدة.
ويرسم هذا التحول الدولي واقعًا مهنيًا جديدًا لمن يعمل في هندسة البيانات وبناء النماذج الذكية في الخليج ومصر والشام؛ إذ لم يعد جمع البيانات عشوائيًا مجرد مخاطرة تقنية، بل أصبح يهدد بقاء المشاريع المؤسسية برمّتها. المؤسسات المالية والجهات الحكومية وفرق التطوير المحلية تجد نفسها مطالبة بالتحقق الصارم من مصادر مجموعات التدريب والتأكد من خلوها من الانتهاكات القانونية والانحيازات التمييزية، وهو ما ينقل الثقل الوظيفي في المنطقة من مجرد ضبط النماذج الجاهزة إلى حوكمة جودة البيانات وتدقيق خطوط إمدادها وهندستها المسؤولة بيئيًا وقانونيًا.
إن بناء أنظمة ذكية مستدامة في أسواقنا يتطلب من مهندس البيانات ومطور البرمجيات التعامل مع تدقيق المصادر وحماية الخصوصية بوصفهما ركنين تقنيين أساسيين؛ فالاعتماد على نماذج ملوثة بانتهاكات حقوقية أو بيانات غير مرخصة يعرض المنتج بأكمله للاستبعاد، ويجعل الكفاءة الحقيقية تكمن في القدرة على فرز البيانات الموثوقة وإدارتها باحترافية.