«مايكروسوفت» تربط سباق الذكاء الاصطناعي في جنوب أوروبا بالمهارات البشرية لا البرمجيات وسط فجوة بين القيادة والموظفين
استمع لهذا المقال
بصوت نورة (Noura)
تدخل منطقة جنوب أوروبا مرحلة حاسمة في مسار الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح القدرة على بناء رأس المال البشري وتطوير المهارات أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى أحدث النماذج البرمجية، وفق ما أعلنه تشارلز كاليستروبات، نائب رئيس شركة «مايكروسوفت» لجنوب أوروبا. وتوضح الشركة أن المنطقة تشهد تحولاً هيكلياً من مرحلة تبني التقنية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع بروز اليونان كمركز واعد للابتكار مدفوعاً بالمبادرات الرقمية الحكومية مثل منصة «mAigov»، وتدفق الاستثمارات في البنية السحابية، وتنامي قاعدة الكفاءات المؤهلة.
وقد تمكنت «مايكروسوفت» عبر مبادرتها «GR for GRowth» من تدريب 100 ألف شخص في القطاعين العام والخاص والجامعات والباحثين عن عمل على المهارات الرقمية المتقدمة. ويكشف هذا التوسع عن مفارقة ديموغرافية لافتة، إذ تحتل اليونان المرتبة الأولى أوروبياً في استخدام الجيل الأحدث للذكاء الاصطناعي، ما يعكس اندماج الفئات الشابة السريع مع الأدوات التوليدية. غير أن هذا الاندماج يقابله اتساع في الفجوة المعرفية بين الإدارات التنفيذية والكوادر الميدانية، حيث أظهر تقرير مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025 أن 67 بالمئة من المديرين التنفيذيين يؤكدون درايتهم بأدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مقابل 40 بالمئة فقط من الموظفين.
وفي الوقت الذي تؤتمت فيه 46 بالمئة من المؤسسات عالمياً مسارات عملها عبر الوكلاء الرقميين، ويخطط 82 بالمئة من القادة لدمجهم خلال 12 إلى 18 شهراً، يطرح كاليستروبات، الذي يشرف على 17 سوقاً في المنطقة، إطاراً ثلاثي المراحل لخلق القيمة. يبدأ هذا المسار من مساعدة المهام الفردية، ثم ينتقل إلى النشر الشامل للوكلاء، وصولاً إلى إدارة فرق كاملة من المساعدين الرقميين المستقلين تحت إشراف وتحكم بشري مباشر، بحيث يتعامل المهني مع مهامه بصفته مديراً وموجهاً لهذه الفرق الذكية.
تتفوق المؤسسات المتقدمة تقنياً بإعادة تصميم عملياتها الأساسية بالكامل بدلاً من مجرد وضع طبقات ذكاء اصطناعي فوق آليات العمل التقليدية. ويتطلب ذلك وضع حوكمة البيانات وأمن المعلومات والامتثال للخصوصية في صميم الإستراتيجية المؤسسية، مع قياس النتائج التجارية الملموسة والبدء برؤية تنفيذية تنطلق من الإدارة العليا وتستهدف الأولويات التجارية الحرجة.
وعلى الصعيد الثقافي والمؤسسي، تبرز معوقات نفسية تحجم وتيرة التحول، إذ يشير كاليستروبات إلى مفارقة تتجلى في خشية 65 بالمئة من الأفراد من التخلف عن ركب التطور التقني، بينما يفضل 45 بالمئة البقاء في منطقة الأمان وتجنب مخاطر التجربة خشية الفشل. ولا يرى سوى 13 بالمئة من العاملين أن مؤسساتهم تقدر ثقافة التعلم والاختبار والفشل، ما يضع عبئاً على القيادات لبناء بيئات عمل تتقبل الخطأ السريع وتسرع مسارات التدريب واكتساب الخبرة.
وبحسب مؤشر كثافة العرض والطلب على المهارات الصادر عن «إنتلكتيكا»، يتركز العجز الأكبر في المهارات داخل السوق اليونانية في مجالات الحوسبة السحابية وهندسة العمليات، والأمن السيبراني، وهندسة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي. ورغم أن الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في اليونان ما يزال أدنى مقارنة بأسواق مثل البرتغال وقبرص، إلا أن هذا الفارق الزمني يمنح المنظومة فرصة للاستثمار المكثف في إعادة تأهيل القوى العاملة قبل تسارع الطلب الشامل عبر بيئة الابتكار.
يتزامن هذا المسار البشري مع طفرة في البنية التحتية الصلبة، حيث تستثمر «مايكروسوفت» مليار يورو لإنشاء مجمع يضم ثلاثة مراكز بيانات في منطقة أتيكا الشرقية لتشكيل أول منطقة سحابية متكاملة للشركة في البلاد تحت اسم «Azure Cloud Region Greece Central». ورافقت هذه الاستثمارات ترقية مكتب أثينا الإداري بقيادة يانا أندرونوبولو ليشرف على 12 سوقاً تشمل منطقة البحر الأدرياتيكي وبلغاريا، متحولاً إلى محور إداري إقليمي.
ولا يقتصر المشهد الاستثماري على ذلك، إذ خصصت شركة «ديجيتال ريالتي» الأمريكية أكثر من 400 مليون يورو لإنشاء أربع منشآت في أتيكا وكريت، في حين تخطط ذراع «أبتو» الاستثمارية التابعة لشركة «بيمكو» بالتعاون مع «دروميوس كابيتال» لمشروع مركز بيانات «أوليف» العملاق باستثمارات تصل إلى 770 مليون يورو. كما تبرز شراكة «إيدجنكس» بين مجموعة «بي بي سي» وشركة «داماك» الإماراتية لبناء مركز بيانات مهيأ للذكاء الاصطناعي، لتتكامل البنية التحتية مع خطط بناء القدرات البشرية في جنوب القارة الأوروبية.