صناديق الملكية الخاصة في الشرق الأوسط: فجوة تمويل الشركات المتوسطة ورهان توظيف 300 مليون شاب
استمع لهذا المقال
بصوت زياد (Ziyad)
تضع تقديرات البنك الدولي صناع السياسات وقادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام استحقاق ديموغرافي واقتصادي دقيق، إذ يتوقع أن يبحث نحو 300 مليون شاب عن فرص عمل بحلول عام 2050. هذا الحجم من الطلب المتوقع لا يمكن تلبيته عبر حلول التوظيف الهامشية، بل يفرض نمواً هيكلياً في القطاع الخاص يرفع الإنتاجية ويدعم التنوع الاقتصادي ويتيح للشركات التوسع في قطاعات تنافسية، خصوصاً بعدما كشفت الصدمات الجيوسياسية المتكررة عن نقاط ضعف مسبقة طالت الاقتصادات الهشة ودول مجلس التعاون الخليجي على حد سواء.
التحدي الإقليمي لا يكمن في ندرة رؤوس الأموال المجردة، بل في غياب المنصات والبيئات المؤسسية القادرة على توجيه السيولة نحو مشاريع قابلة للتوسع ومستدامة تجارياً. فبينما نجحت استثمارات رأس المال الجريء في تمويل المراحل المبكرة للشركات الناشئة التقنية، ظلت هناك فجوة تمويلية واضحة أمام الشركات المتوسطة القائمة التي تحتاج إلى رأس مال نمو وحوكمة أقوى ودعم تشغيلي للتوسع الإقليمي، وهي المساحة التي يمكن لصناديق الملكية الخاصة شغلها لتحويل الأعمال المحلية الواعدة إلى كيانات رائدة ومحركات للنمو.
يتجاوز الأثر الاقتصادي للملكية الخاصة المفهوم التقليدي القائم على الهندسة المالية وحصر العمليات في الشراء وإعادة الهيكلة ثم البيع لتحقيق عوائد للمستثمرين. فالاستثمار الموجه نحو النمو يوفر رأس مال طويل الأجل مقترناً بتطوير الإدارة التشغيلية، وترسيخ الحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية، والاستثمار في الابتكار وفتح أسواق جديدة، مما يمنح الشركات المتوسطة قدرة على كسر حواجز التوسع التي يعجز الإقراض المصرفي أو رأس المال الجريء منفرداً عن معالجتها بفعالية.
تظهر بيانات منصة «مغنيت» أن نشاط الملكية الخاصة المعلن في المنطقة سجل 27.6 مليار دولار عبر 356 صفقة بين عامي 2020 و2024. واستحوذت دولة الإمارات على الحصة الكبرى من المعاملات بينما عززت المملكة العربية السعودية موقعها كسوق رئيسية، ليشكل البلدان معاً 68 بالمئة من إجمالي صفقات الملكية الخاصة الإقليمية خلال تلك السنوات الخمس في قطاعات محورية شملت الرعاية الصحية والخدمات المالية واللوجستيات والتصنيع والطاقة، غير أن هذا النشاط لا يزال يتركز بصورة كثيفة في الأسواق الأكثر تطوراً واستقراراً.
بناء منظومات استثمارية متكاملة يتطلب توزيع الأدوار بين الحكومات والصناديق السيادية ومؤسسات التمويل التنموي لتقليل المخاطر. فمؤسسات مثل مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تدمج التمويل المباشر مع أدوات التمويل المختلط ومشاركة المخاطر لتسهيل الاستثمار في الأسواق الهشة مثل فلسطين وسوريا ولبنان، حيث تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة غالبية القطاع الرسمي لكنها تواجه صعوبة الوصول إلى السيولة وتشتت هياكل الملكية وضعف الروابط بالأسواق الإقليمية.
وفي المقابل، تؤدي الصناديق السيادية دور المستثمر الأساسي لخفض المخاطر وجذب رؤوس الأموال العالمية، وهو ما عكسته صفقة الإغلاق الأول لصندوق «بروكفيلد ميدل إيست بارتنرز» في يوليو 2026 برأس مال بلغ نحو ملياري دولار بدعم من صندوق الاستثمارات العامة ومستثمرين دوليين وإقليميين، مع استهداف تخصيص 50 بالمئة من استثماراته للسوق السعودية. وتؤكد هذه المؤشرات أن نجاح المرحلة المقبلة لا يقاس فقط بحجم الأموال المعبأة، بل بقدرة تلك الهياكل على تحويل السيولة إلى شركات إنتاجية قادرة على المنافسة وخلق وظائف نوعية مستدامة.