23 بالمئة فقط يخشون الأتمتة في الإمارات: مرونة العمل وفرص التعلم تعيدان صياغة سوق المواهب لعام 2027
استمع لهذا المقال
بصوت زياد (Ziyad)
تكشف أحدث بيانات سوق العمل في دولة الإمارات عن تحول لافت في وعي الكفاءات المهنية تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ لم يعد يُنظر إليه كمصدر قلق يهدد الاستقرار الوظيفي، بل كرافعة إنتاجية تدعم المسار المهني وتسرع الإنجاز. وفق نتائج دليل رواتب الإمارات لعام 2027 الصادر عن مؤسسة «مايكل بيج»، فإن 23 بالمئة فقط من المهنيين يرون في الذكاء الاصطناعي التوليدي خطرًا على أمانهم الوظيفي على المدى الطويل، ما يعكس انحسارًا واضحًا لمخاوف الأتمتة التقليدية لصالح الرغبة في توظيف التقنية لتطوير الأداء الفردي والمؤسسي.
غير أن هذا الاطمئنان التقني يتزامن مع ضغوط تشغيلية متصاعدة تواجهها الشركات في استبقاء فرقها. الدليل، الذي شمل تقييم معايير الأجور عبر 18 قطاعًا وأكثر من 500 دور وظيفي، يظهر أن 78 بالمئة من المهنيين في الإمارات مستعدون لتغيير مساراتهم واستكشاف فرص جديدة. هذه الحركية العالية تضع إدارات الموارد البشرية أمام اختبار حرج، خصوصًا مع تأكيد جون إيد، المدير الإداري لمؤسسة «مايكل بيج» في الشرق الأوسط، أن استبدال الكفاءات ذات الخبرة يكبد المؤسسات تكاليف تفوق كثيرًا تكلفة الحفاظ عليها وتطويرها ضمن بيئة العمل الحالية.
التحول الأعمق يتجلى في إعادة تعريف أولويات العمل ذاتها، حيث تراجع ثقل التعويض المالي المجرد في حسم قرارات البقاء. يبرز شرط المرونة كأحد أقوى محددات الاستمرارية، إذ يؤكد الاستطلاع أن 51 بالمئة من المهنيين يرجحون مغادرة مؤسساتهم إذا أُلزموا بقضاء أوقات أطول داخل المكاتب. وإلى جانب المرونة المكانية والزمانية، باتت مسارات التعلم واكتساب المهارات التخصصية تتقدم في حسابات الكفاءات على مجرد انتظار العلاوات الدورية، مما يفرض إعادة هيكلة شاملة لحزم الاستبقاء.
هذه المفارقة تخلق فجوة متسعة بين تطلعات الموظفين وخطط أصحاب العمل، حيث تستمر توقعات الرواتب في تجاوز الميزانيات المخصصة للمراجعات السنوية للأجور. وعلى الرغم من أن العام 2026 شهد اختبارات اقتصادية وتقلبات جيوسياسية متلاحقة في المنطقة، فإن سوق الإمارات حافظ على جاذبيته ونشاط التوظيف التنافسي فيه، الأمر الذي يمنح أصحاب المهارات النادرة قدرة تفاوضية أوسع لاختيار بيئات عمل توفر لهم وضوح المسار الوظيفي وتكامل الأدوات التقنية الحديثة.
على الصعيد الإقليمي، يحمل هذا المشهد دلالات تشغيلية واضحة لمن يعمل في الخليج ومصر وبلاد الشام. في أسواق الخليج، بات لزامًا على القيادات التنفيذية التخلي عن سياسات التواجد المكتبي الصارمة، وربط مهارات الذكاء الاصطناعي بمسارات الترقية والتعويض؛ لأن الإصرار على النماذج التقليدية في ظل فجوة الأجور يهدد بهجرة فورية لأصحاب الخبرات نحو بيئات أكثر مرونة. أما للشركات والكوادر في مصر والمشرق، فإن شهية الخليج المفتوحة لاستقطاب المواهب التخصصية تعني تصاعد الضغط التنافسي على الكفاءات المحلية، ما يستوجب بناء بيئات عمل رقمية مرنة قادرة على صون رأس المال البشري قبل انتقاله إلى أسواق العمل الإقليمية.