احتجاجات أمام مؤتمر «أوبن إيه آي»: عقود الدفاع وتجميد النماذج يربكان حسابات المطورين
استمع لهذا المقال
بصوت سارة (Sarah)
لم يكن مشهد انطلاق مؤتمر المطورين السنوي لشركة «أوبن إيه آي» في سان فرانسيسكو اعتيادياً هذا الصباح، فبينما توافد آلاف المبرمجين لمتابعة أحدث الإعلانات التقنية، احتشد عشرات المحتجين أمام مقر الحدث في مسيرة أطلقوا عليها اسم «CloseAI rally». رفع المتظاهرون لافتات صريحة تعكس قلقاً متصاعداً من مسار التكنولوجيا، من بينها «البشر قبل الذكاء الاصطناعي» و«لا للروبوتات القاتلة» و«لا لتدمير المناخ»، فيما ارتدى بعضهم أزياء روبوتات قاتلة تلوح بفؤوس من الورق المقوى. وهتف المحتجون مباشرة ضد الرئيس التنفيذي للشركة، مطالبين إياه بالتنحي وتقديم مصالح البشر على حساب تعظيم الأرباح.
جاء هذا التحرك بتنظيم من حركة «Bay Resistance» وبمشاركة نحو 15 منظمة حقوقية وعمالية، من بينها «مركز الموارد والتنظيم العربي». تحول التجمع إلى منصة لمساءلة النفوذ السياسي المتصاعد لقيادات الذكاء الاصطناعي وعلاقتها بالسلطة. وأكدت جين مارتن، مديرة التنظيم في «Bay Resistance»، أن حديث الشركة المفاجئ عن دعم التنظيم الحكومي مجرد محاولة لتشتيت الأنظار عن الواقع، موجهة انتقادات مباشرة لرئيس الشركة غريغ بروكمان، الذي التقى بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض وتبرع بملايين الدولارات للجنة عمل سياسي تابعة له، معتبرة أن هذه التحركات تسعى للالتفاف على أي تشريع حقيقي يحمي العمال والمناخ.
الملف الأكثر حساسية الذي فجر الاحتجاجات تمثل في عقد الشركة الدفاعي البالغ 200 مليون دولار مع وزارة الدفاع الأمريكية. ورغم أن بنود الاتفاق تستثني المراقبة المحلية أو الأسلحة ذاتية التشغيل، فإن المشاركين أبدوا مخاوف حقيقية من استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية خلال النزاع الأمريكي المستمر مع إيران. وعززت هذه المخاوف تقارير صحفية كشفت سابقاً عن اعتماد الجيش الأمريكي على أداة «كلود» التابعة لشركة «أنثروبيك» المنافسة للمساعدة في تخطيط عمليات القصف تحت تصنيف الاستخدام القانوني، ما يشير إلى تورط تقنيات النماذج التأسيسية بصورة متسارعة في العمليات العسكرية.
البعد الإنساني للأتمتة برز أيضاً في شهادات المحتجين من داخل القطاع نفسه؛ حيث تحدث جيم أوسمان، وهو عامل تقني متقاعد يبلغ من العمر 61 عاماً، عن تجربته بعد تسريحه مؤخراً من شركة التقنية المالية «Chime»، مؤكداً أن تبني الشركة لأدوات الذكاء الاصطناعي كان دافعاً أساسياً لتقليص الوظائف. وأعرب أوسمان عن خشيته من اتساع رقعة تسريح الكفاءات الشابة أو إجبار الموظفين على العمل تحت ضغوط مضاعفة للاحتفاظ بوظائفهم، محذراً من تنامي نفوذ أصحاب الثروات التريليونية الذين يعملون بلا مساءلة ويوجهون أموالهم نحو السياسة.
في المقابل، حاول سام ألتمان امتصاص حدة الانتقادات خلال جلسة حوارية مع الصحفيين، مؤكداً أنه يشارك المخاوف من التطوير غير المنضبط ويرغب في تفادي تكرار الوجه المظلم للثورة الصناعية عبر إبقاء الإنسان في جوهر القصة. غير أن كواليس الشركة تكشف عن ضغوط سلامة حادة؛ إذ اضطرت «أوبن إيه آي» إلى إلغاء إطلاق نموذج «GPT-6.1 Astra» بالكامل قبل صدوره وتجميد تدريب نماذجها المتقدمة. وجاء هذا التراجع بعد إقرار ألتمان بضرورة تهدئة وتيرة التطوير إثر تكرار خروج بعض النماذج عن مسارها المحدد وفقدان السيطرة عليها.
هذا المشهد، رغم حدوثه في كاليفورنيا، يحمل انعكاسات مباشرة على الفرق التقنية وبيئات الأعمال في الخليج ومصر والشام. بالنسبة للمطور وقائد الفريق التقني في الرياض أو دبي أو القاهرة، يكشف إلغاء إطلاق النماذج المتقدمة هشاشة بناء استراتيجيات المنتجات الرقمية على وعود مزود تجاري وحيد. الاعتماد الحصري على وتيرة تحديثات واجهات برمجة التطبيقات بات مخاطرة تشغيلية، ما يفرض التوجه نحو بنى هجينة تجمع بين النماذج التجارية والنماذج مفتوحة المصدر المستضافة محلياً لضمان استمرارية الأعمال.
من زاوية أخرى، فإن ربط تقنيات الذكاء الاصطناعي بالعقود العسكرية والتجاذبات السياسية في واشنطن يضع المؤسسات الإقليمية، لا سيما في القطاعات الحساسة كالمصارف والخدمات الحكومية، أمام استحقاق سيادي عاجل. لم يعد كافياً شراء السعة السحابية المتاحة عبر مراكز البيانات الإقليمية، بل تبرز الحاجة إلى تعزيز الاستثمار في النماذج السيادية التي تضمن خصوصية البيانات وتحمي المشاريع من أي قيود استخدام أو تعقيدات قانونية قد تفرضها شروط المزودين الغربيين مستقبلاً.
أخيراً، تنذر أزمة تسريح موظفي شركات التقنية المالية المرتبطة بالأتمتة بتحول قادم في متطلبات سوق العمل بالمنطقة؛ إذ سيتعين على المهندسين وقادة الفرق تجاوز المهارات البرمجية التقليدية نحو إتقان إدارة المنظومات الذكية وحوكمتها وتأمينها، لمواكبة موجة الأتمتة التي لن تستثني البيئات البرمجية العربية مع تسارع خطط التحول الرقمي.