«عطش الحوسبة»: مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الخليج تعيد هندسة التبريد لتفادي استنزاف المياه
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تتسابق دول الخليج العربي الست، السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان، لبناء بنية تحتية حوسبية ضخمة تجعل من المنطقة مركزاً رئيساً في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي. هذا التوجه المدفوع باستثمار الفوائض المالية وتوافر الطاقة الرخيصة لتحويلها إلى قدرات حوسبة متقدمة، يقوده في الصدارة صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي خصص أكثر من 40 مليار دولار لمشاريع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومنها منصة «هيومين»، إلى جانب الإمارات التي بلغت مخصصاتها لعتاد الذكاء الاصطناعي 355 مليون دولار في عام 2025 مع توقعات بوصولها إلى 892 مليون دولار بحلول عام 2029. غير أن هذا التوسع الحوسبي يصطدم بواقع جغرافي ومناخي يفرض ضغوطاً متزايدة على موارد المياه العذبة.
تولد آلاف وحدات معالجة الرسوميات المستخدمة لتشغيل وتدريب النماذج المتقدمة حرارة شديدة داخل الخوادم، وتتطلب أنظمة تبريد مستمرة في بيئة ترتفع فيها درجات الحرارة صيفاً لتتجاوز 45 درجة مئوية في السعودية والإمارات دون انخفاض ملموس ليلاً. تشير تقديرات معهد الشرق الأوسط إلى أن قطاع الذكاء الاصطناعي في الإمارات وحده قد يستهلك نحو 61 مليار لتر من المياه سنوياً بحلول عام 2030، في حين ينمو الطلب على طاقة مراكز البيانات في السعودية بنسبة 29% سنوياً. وتأتي هذه المتطلبات في وقت يقدر فيه البنك الدولي أن تفاقم انعدام الأمن المائي بسبب التغير المناخي قد يكلف الشرق الأوسط ما يصل إلى 14% من ناتجه المحلي الإجمالي بحلول عام 2050.
تبريد رقائق الحوسبة في البيئات شديدة الحرارة لم يعد يحتمل الاعتماد التقليدي على أبراج التبخير والمياه العذبة. يوضح الباحث شاولاي رين، الأستاذ المشارك في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، أن التمييز التقني أساسي بين المياه المسحوبة والمياه المستهلكة، حيث تفقد المياه المستهلكة نهائياً عبر التبخر، متوقعاً أن يسحب الذكاء الاصطناعي عالمياً ما بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب في 2027، يُستهلك منها بالتبخر بين 380 و600 مليون متر مكعب. ومع تزايد أحمال الذكاء الاصطناعي التوليدي، يرى رين ضرورة تخطيط منظومات الطاقة والمياه ومراكز البيانات بشكل تكاملي من قبل الحكومات بدلاً من التعامل مع كل منشأة كمشروع معزول.
لمواجهة هذه القيود، يتجه مشغلو البنية التحتية إلى تقنيات تبريد بديلة، مثل التبريد السائل المباشر للرقائق وأنظمة التبريد الغاطس والدوائر المغلقة. وتوضح إليزابيتا بارونيو، مديرة الاستدامة في «خزنة لمراكز البيانات»، أن 90% من محفظة الشركة تعتمد على التبريد الهوائي، بينما تستخدم المنشآت الثلاث المتبقية مياه الصرف الصحي المعالجة بدلاً من المياه الصالحة للشرب، إضافة إلى اعتماد التبريد السائل ذي الدورة المغلقة للأحمال الكثيفة لتدوير سوائل التبريد دون استهلاك مستمر للمياه. وفي سياق متصل، يؤكد عدنان مسعود، كبير مهندسي الذكاء الاصطناعي في «يو إس تي»، أن ندرة الموارد تدفع نحو الابتكار، داعياً إلى تبني التبريد السائل المباشر للرقائق وإلزام المطورين بالشفافية حول كميات المياه ومصادر الطاقة وطرق تصريف الحرارة الناتجة.
بناء مراكز الحوسبة المسؤولة يتجاوز هندسة التبريد إلى تأمين استدامة شبكات الإمداد واستقرار البنية التحتية الحيوية. ويشير الباحث محمد سليمان من معهد الشرق الأوسط إلى أن التحول إلى التبريد السائل والأنظمة المغلقة قد يخفض استخدام المياه العذبة بنسبة 90% أو أكثر، مؤكداً أن التحدي الحاسم للعقد المقبل يتمثل في قدرة دول الخليج على الانتقال من مجرد تشييد البنية التحتية إلى التحول لاقتصادات أصيلة في الذكاء الاصطناعي، تقاس بجودة النماذج وعمق الكفاءات وصمود المنظومات التشغيلية والسياسية.