تخطَّ إلى المحتوى

«المسبك المعرّف بالذكاء الاصطناعي»: خفض زمن محاكاة تصنيع الرقائق من أيام إلى أجزاء من الثانية

شارك المقال
«المسبك المعرّف بالذكاء الاصطناعي»: خفض زمن محاكاة تصنيع الرقائق من أيام إلى أجزاء من الثانية
الصورة: L N / Unsplash

تواجه صناعة أشباه الموصلات المتقدمة مأزقًا هندسيًا متصاعدًا مع تضاؤل هامش الخطأ المسموح به إلى حدود ذرية؛ فاختبار أي تعديل في المعالجة الفيزيائية أو تفاعل المواد داخل خطوط الإنتاج الفعلية يتطلب أيامًا من الحسابات المضنية، بينما يترتب على أي تقدير خاطئ لجودة الإنتاج خسائر مالية وتشغيلية فادحة. ولتفكيك هذا الاختناق، تقود كبرى شركات تصنيع الرقائق ومعداتها تحولًا واسعًا نحو نموذج المسبك المعرّف بالذكاء الاصطناعي، حيث تتكامل الحوسبة المسرّعة مع نماذج الذكاء الاصطناعي المستندة إلى الفيزياء والتوائم الرقمية لاختزال دورات الاختبار الافتراضي قبل الالتزام بتجارب فيزيائية على خطوط التصنيع.

يقوم هذا التحول الصناعي على تسريع محاكاة الفيزياء المتعددة التي ترصد التداخل المعقد بين انتقال الحرارة والسلوك الكهربائي والإجهاد الميكانيكي. وتكشف المعطيات التشغيلية أن دمج مكتبة «cuDSS» الحسابية من «إنفيديا» في برمجيات «كولمسول» (COMSOL) سرّع محاكاة تصنيع الرقائق بنحو عشرة أضعاف، وهي النتيجة ذاتها التي حققتها منصة «جينسترا» التابعة لشركة «أبلايد ماتيريالز» (Applied Materials) في استكشاف المواد على المستوى الذري وتسريع تطوير المعالجات مقارنة بالاعتماد التقليدي على المعالجات المركزية. كما قفزت منصة «إيس بلس» (ACE+) التابعة للشركة بمحاكاة التضاريس السطحية بمعدل خمسة وثلاثين ضعفًا عبر إطار «فيزيكس نيمو» (PhysicsNeMo).

وفي مرحلة الطباعة الحجرية الحاسوبية، وهي العملية المسؤولة عن نقل أنماط الدوائر المجهرية إلى السيليكون وتتطلب حسابات بالغة الكثافة تتجاوز طاقة المعالجات المركزية في بيئات الإنتاج التجاري، دمجت شركة «سيمنز» مكتبة «cuLitho» في برمجيات «كاليبر» (Calibre) لترفع سرعة معالجة أعباء المحاكاة الحيوية بمقدار سبعة عشر ضعفًا، مما وسّع نطاق ما يمكن للمهندسين التحقق منه قبل بدء الطباعة. وتجاوزت هذه النقلة تسريع الحسابات نحو التنبؤ الفيزيائي المباشر دون تشغيل المحاكاة الكاملة في كل خطوة؛ إذ أثبتت شركة «لام ريسيرش» (Lam Research) قدرة إطار «فيزيكس نيمو» على التنبؤ بسلوك البلازما، وهي الغاز المشحون كهربائيًا المستخدم في حفر الرقائق، خلال أجزاء من الثانية مقارنة بأيام كاملة كانت تستهلكها المحاكاة التقليدية لمعادلات التفاعل الحراري والكهربائي والكيميائي.

وعلى مستوى العمليات الميدانية، تتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي إنجاز المهام المتسلسلة بين نقاط اتخاذ القرار الهندسي؛ حيث اعتمدت شركة «أدفانتست» (Advantest) على وكلاء أذكياء عبر منصة «نيمو سويتش يارد» لأتمتة تقييم واختيار نماذج الذكاء الاصطناعي المناسبة للاختبار، مما قلص زمن الاستجابة على أرضية الفحص من ساعات إلى دقائق. وبالتوازي مع ذلك، تعتمد «أبلايد ماتيريالز» على مكتبات «أومنيفيرس» (Omniverse) لبناء توائم رقمية واقعية مطابقة فيزيائيًا للمصانع بكامل مرافقها، تتيح للفرق محاكاة تدفق المواد ورصد الاختناقات ومراجعة مخططات التشغيل افتراضيًا قبل نقل أي تعديل إلى أرض الواقع.

ونرصد في هذا التحول أثرًا مباشرًا يغيّر حسابات المنظومة الهندسية في الشرق الأوسط، تحديدًا في الخليج ومصر والشام؛ إذ يفتح انخفاض زمن وتكلفة المحاكاة بابًا عمليًا لتجاوز معضلة رأس المال الملياري المطلوب لإنشاء خطوط تصنيع مادية نظيفة. تستطيع فرق التصميم والجامعات التقنية في المنطقة اختبار تصاميم الرقائق والتحقق من كفاءة تصنيعها افتراضيًا بأعلى درجات الدقة قبل إرسال المخططات للتصنيع في الخارج، مما يقلص مخاطر دورات الإنتاج الفاشلة. كما يفرض هذا المسار إعادة توجيه المهارات المطلوبة في سوق العمل الإقليمي؛ فلم يعد الرهان مقتصرًا على الرسم الكهربائي التقليدي، بل بات يستلزم إتقان محاكاة الفيزياء الحاسوبية وإدارة الوكلاء الأذكياء المشرفين على بيئات الاختبار الصناعي.

تكتمل هذه الدورة بربط البيانات الفعلية المستخرجة من خطوط الإنتاج بالنماذج الحاسوبية، ثم إعادة النتائج التنبؤية إلى المهندسين لتوجيه قراراتهم؛ فالغاية الصناعية لا تتجه نحو الاستغناء عن الخبرة البشرية، بل تهدف إلى إعتاقها من فترات الانتظار الطويلة وتمكينها من الاستناد إلى محاكاة فورية تحمي استثمارات السيليكون من الأخطاء القاتلة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد