معيار «أنزاتس» يكشف فجوة الاكتشاف العلمي: وكلاء الذكاء الاصطناعي يرصدون المتغيرات ويعجزون عن صياغة قوانينها
يضع الفيزيائي فرضيته الأساسية قبل أن يضبط أي معامل رقمي في معادلته، فيحدد ما يظهر من كميات وما يختفي في الظل، وكيف تتشابك المتغيرات وتُقاس، وهي الخطوة التأسيسية التي يطلق عليها العلماء اسم «الأنزاتس». وفي ورقة بحثية جديدة قادها الباحثون إيثان جي ووي وانغ وييتشو صن ونُشرت عبر منصة أركايف، خضعت نماذج اللغة الكبيرة لاختبار يضع يديه على جوهر التفكير العلمي عبر معيار قياس جديد أطلق عليه الفريق اسم «أنزاتس». الفارق الحاسم هنا أن المعايير السابقة لاكتشاف المعادلات الرياضية آلياً كانت تقدم هذه البنية على طبق جاهز عبر تحديد المتغيرات وقائمة الحدود المتاحة، بينما يفرض المعيار الجديد على وكيل الذكاء الاصطناعي بناء الفرضية الهيكلية بنفسه من الصفر.
بناء الفرضية الرياضية المجردة يمثل عنق الزجاجة الحقيقي في الاكتشاف العلمي، وليس مجرد تقدير المعاملات الرقمية الحسابية. لاختبار هذه القدرة، أنشأ الباحثون ثمانين نظاماً محاكياً تتوزع على عشرين مجالاً علمياً مختلفاً، وتتنوع بين معادلات تفاضلية اعتيادية وجزئية وذات تأخير زمني، وخرائط متقطعة، ونماذج سببية وعمليات احتمالية، مع تزويدها بحالات خفية ومجسات مشوهة وقنوات قياس غير مفيدة لتماثل تعقيدات الواقع الفيزيائي. يعمل وكيل الذكاء الاصطناعي داخل المعيار عبر شراء التجارب ضمن ميزانية محددة، ثم يكتب برامج مرشحة بلغة نمذجة مصغرة، ويستلم معاملاتها العددية من أداة مطابقة خاصة، بينما يُقاس أداؤه حصراً بقدرة برنامجه النهائي على التنبؤ بتجارب لم يشهدها قط تشمل ظروفاً خارج نطاق الاستكشاف وتدخلات تجريبية ومسارات زمنية أطول.
كشفت النتائج عن تباين واضح بين تسعة نماذج لغوية خضعت للاختبار، إذ راوحت نسب نجاحها بين 21 بالمئة و60 بالمئة في حل هذه الأنظمة. والمفارقة الأبرز تمثلت في أربعة وأربعين نظاماً عجزت الطرق الكلاسيكية لاكتشاف المعادلات عن حلها تماماً، مع أن البيانات المجمعة كانت كافية لحساب المعاملات بمجرد تزويد النموذج بالصيغة الصحيحة للمعادلة، مما يبرهن على أن الصعوبة الحقيقية تكمن في اكتشاف البنية الهيكلية وليس في تقدير أرقامها. وعندما حاول الباحثون تزويد النماذج ببرامج سابقة اكتشفتها لأنظمة شبيهة، لم يُحدث ذلك فارقاً إيجابياً إلا عندما كانت الآلية الأساسية مشتركة بالفعل وتكلل الاستكشاف الأول بالنجاح.
أظهر التحليل السلوكي للوكلاء ظاهرتين حاسمتين تكشفان طبيعة التفكير الخوارزمي الحالي: فالنماذج الأقوى ترتكب أخطاء علمية أقل، لكن النماذج عموماً تنجح في تحديد المتغيرات الموجودة في النظام بينما تعجز عن فهم الكيفية التي تتفاعل بها تلك المتغيرات فيزيائياً. والأخطر من ذلك هو وقوع الوكلاء في فخ الانحياز الحسابي، إذ أظهرت التجارب أن الوكلاء يفضلون تعديل المعادلات بطريقة تقلل من هامش الخطأ على بيانات التدريب بدلاً من اختيار التعديلات التي ترفع دقة التنبؤ المستقبلي، وهو سلوك يبتعد تماماً عن المنهج العلمي الصارم لصالح مطابقة سطحية للأرقام.
انحياز النماذج لتقليل خطأ التدريب على حساب دقة التنبؤ يفرض إعادة تقييم جذرية لمشاريع النمذجة في المنطقة. لمن يدير فرق الحوسبة والبحث في مختبرات الخليج ومراكز الأبحاث في السعودية والإمارات ومصر، خصوصاً الفرق التي تعمل على محاكاة مكامن الطاقة أو نمذجة شبكات الكهرباء ومحطات التحلية، يقدم هذا المعيار درساً عملياً حاسماً. لا يمكنك الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي لصياغة نماذج فيزيائية مستقلة من تدفقات البيانات وحدها، فالنماذج ستوفر لك معادلات تبدو متطابقة رياضياً مع سجلاتك التاريخية لكنها تنهار عند مواجهة تغيرات طارئة في البيئة التشغيلية. القرار الفني الصائب هنا هو تكليف المهندس والباحث البشري بتحديد «الأنزاتس» والقيود الفيزيائية الهيكلية، وحصر عمل النماذج في البحث المقيد واقتراح المعاملات.
يخلص البحث إلى أن الاكتشاف العلمي لا يبدأ من جمع الأرقام بل من تصور شكل العلاقات الخفية التي تربط بينها، وهي مهارة لا تزال نماذج الذكاء الاصطناعي تتلمس خطواتها الأولى فيها حتى نهاية عام 2026. إن التحدي القادم أمام فرق البحث والتطوير ليس تسريع الحوسبة، بل تدريب النماذج على مقاومة إغراء المطابقة السطحية للأرقام وتبني التجريد العلمي القادر على الصمود أمام الاختبارات الميدانية غير المرئية.