تخطَّ إلى المحتوى

حدود تفويض القرار للآلة: سام ألتمان يجعل السيطرة البشرية فاصلا بين «أوبن إيه آي» ومنافسيها

شارك المقال
حدود تفويض القرار للآلة: سام ألتمان يجعل السيطرة البشرية فاصلا بين «أوبن إيه آي» ومنافسيها
الصورة: Bernd 📷 Dittrich / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

افتتح الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، سام ألتمان، مشاركته في مؤتمر «أديبك» بأبوظبي بحسم قاطع حول مسألة تفويض القرار للأنظمة الذكية، مؤكدا في حواره مع رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» منى العريبي وجود مبدأ غير قابل للنقاش: السيطرة على المستقبل يجب أن تظل بيد البشر لا الذكاء الاصطناعي. هذا الموقف لم يأت في سياق تنظيري مجرد، بل طرحه ألتمان بوصفه خطا فاصلا يميز شركته عن بقية المنافسين، مشددا على رفض أي تسليم كامل للقيادة لصالح الخوارزميات، ومؤكدا أن التقنية صُممت لتخدم الإنسان لا العكس.

تأتي هذه التصريحات في لحظة يصفها ألتمان بنقطة تحول فاصلة في مسار النماذج، إذ أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قفز خلال العام الجاري من التخلف عن ألمع علماء العالم إلى التفوق عليهم في غالبية الاختبارات، إلى جانب قدرته المتصاعدة على إنجاز أجزاء واسعة من الوظائف المكتبية. ومع إقراره بقدرة المجتمعات على التكيف مع هذه التحولات، حذر رئيس «أوبن إيه آي» من أن العبء الأكبر يقع الآن على عاتق قطاع التقنية لتقديم ضمانات عملية تمنع وقوع حوادث خطيرة تتعلق بسلامة الأنظمة ومحاذاتها للقيم البشرية، متسائلا عن الكيفية التي يمكن للشركات بها إقناع العالم بفاعلية هذه الضمانات مع تضاعف قدرات النماذج.

كشف ألتمان خلال الجلسة عن تجربة استخدمت فيها «أوبن إيه آي» عشرة آلاف وكيل ذكي يعملون بالتوازي وفق نموذج «جي بي تي» المرتقب، لحل إحدى «مسائل جائزة الألفية» الرياضية المستعصية على مدار أربعة أيام متواصلة من التعاون الأفقي دون أي هيكلية هرمية، وهي واقعة لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن. ويكشف هذا الاستعراض الحجم الهائل الذي بلغه استهلاك الموارد؛ فبينما كان المستخدم الداخلي الأكثر استهلاكا في الشركة قبل ست سنوات يحرق مئة ألف رمز رقمي شهريا، وهو ما يمثل حاليا متوسط الاستهلاك العالمي للفرد، فإن المستخدم الأكبر اليوم يستهلك قرابة خمسمئة مليار رمز شهريا، مما يفسر إجابة ألتمان المقتضبة حين سئل عن التحدي الأكبر أمامه بكلمة واحدة: الطاقة.

يرى ألتمان أن كلفة الاستدلال لكل استعلام انخفضت بدرجة كبيرة، لكن الانفجار في حجم الطلب جعل الطاقة الكهربائية العامل الحاسم في تحديد حجم الذكاء الاصطناعي المتاح عالميا. ويعلق رئيس الشركة آماله على أن تسهم هذه الأنظمة مستقبلا في إضافة صافية لإنتاج الطاقة، غير أنه يعترف بأن خفض تكاليف الحوسبة يواجه حقيقة أن الذرات المادية تظل خاضعة لقوانين الفيزياء. وفي هذا الإطار تكتسب اتفاقيات «أوبن إيه آي» الأخيرة في أبوظبي ثقلها العملي، لا سيما التعاون مع شركة «أدنوك» ومجموعة «جي 42» التقنية لتسخير أحدث النماذج المتقدمة في معالجة أعقد مشكلات قطاع الطاقة، إلى جانب قطاعات التعليم والاستثمار والخدمات الحكومية، مستفيدة من معدل تبن مرتفع تشير تقديراته إلى استخدام نحو ثمانين بالمئة من شباب الإمارات لأداة «تشات جي بي تي».

يضع هذا التوجه قيادات التحول الرقمي والفرق الهندسية في الخليج ومصر والشام أمام معادلة تشغيلية واضحة المعالم. إن ربط أحدث النماذج بقطاعات الطاقة الثقيلة والبنية المؤسسية يعني أن موجة الاستثمار القادمة في المنطقة لن تتوقف عند حدود واجهات المحادثة الجاهزة، بل تتجه مباشرة نحو أسراب الوكلاء البرمجيين الذين يديرون عمليات معقدة. وهنا يتحول تحذير ألتمان من تسليم السيطرة إلى متطلب تنظيمي وحاكمية إلزامية؛ فعلى فرق التطوير والمصارف والمؤسسات الحكومية في المنطقة بناء معمارية تقنية تضمن بقاء الإشراف البشري في قلب سلسلة اتخاذ القرار، لحماية البيانات وضمان التدقيق المالي والقانوني، بدلا من الاعتماد الأعمى على مخرجات نماذج تستهلك مليارات الرموز الرقمية.

يكشف حسم ألتمان في أبوظبي أن معركة الجيل الجديد تدور بين قوتين متناقضتين: كفاءة استدلالية تتفوق على نخبة الباحثين وتتطلب استهلاك طاقة غير مسبوق، وضرورة هندسية صارمة ترفض التنازل عن القيادة البشرية لصالح الآلة. ومن ينجح في بناء التوازن بين تشغيل أسراب الوكلاء وحفظ التدخل الإنساني هو من سيملك زمام الاستفادة الحقيقية من النماذج في بيئات العمل الحساسة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد