تخطَّ إلى المحتوى

مقامرة الذكاء الفائق: كيف يعيد إنذار العشرة بالمئة إحياء هاجس 1939 النووي؟

شارك المقال
مقامرة الذكاء الفائق: كيف يعيد إنذار العشرة بالمئة إحياء هاجس 1939 النووي؟
الصورة: Patrick Konior / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

عندما يضع أحد كبار باحثي الأمان في «أنثروبيك»، إيفان هوبينغر، احتمالًا بنسبة عشرة بالمئة لفناء البشرية خلال العقد المقبل نتيجة تسارع الذكاء الاصطناعي بلا ضوابط كافية، فإن الأزمة تتجاوز الرقم المجرد لتصطدم بانقسام حاد بين فزع معلن وتجاهل بارد. إنها النسبة ذاتها التي قد تدفع المرء لتجاهل حمل مظلة تحسبًا للمطر، غير أنها تتحول إلى صدمة وجودية تستوجب مراجعة شاملة حين ترتبط بمصير مجتمعات ودول بأسرها.

جاء تحذير هوبينغر تعقيبًا على استقالة الباحث جاكوب كوكسون من مختبر «أنثروبيك» بعد تجربة سابقة في «أوبن إيه آي»، إذ أوضح في تدوينات علنية أسباب مغادرته مؤكدًا أن المختبرات الكبرى تندفع مباشرة نحو ذكاء فائق ذاتي التطوير وتجازف بحياة الناس. هذا التزامن دفع محللين دوليين، من بينهم يوسي ميكلبرغ الزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى «تشاتام هاوس»، إلى استدعاء لحظة تاريخية مفصلية تعود إلى أغسطس 1939، حين بعث ليو زيلارد وألبرت أينشتاين برسالتهما الشهيرة إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت للتنبيه إلى أن أبحاث اليورانيوم لا تقتصر على توليد الطاقة، بل تفتح الباب لصناعة قنابل بالغة التدمير.

تثبت التجربة التاريخية أن التقنية بطبيعتها تظل محايدة أخلاقيًا واجتماعيًا، وأن صانعيها والجهات التنظيمية هم من يحددون تحولها إلى قوة نفع أو أداة ضرر. الخطر الأشد إلحاحًا يتبدى في تجريد القرار اليومي من التقدير البشري قبل بلوغ أي سيناريو كارثي مفترض. فالاندفاع غير المحسوب نحو أتمتة المهام المكتبية كفحص الوثائق وتحرير الرسائل يحرم آلاف الشباب من وظائفهم الأولى، مما يولد بطالة حادة وشعورًا مجتمعيًا بالمرارة والغضب تجاه التحول التقني، وهو أثر يتجاوز بمراحل ما خلفته موجات الرقمنة التقليدية.

يتسع هذا القلق التنظيمي ليطال قطاعات حساسة تشمل الرعاية الصحية، حيث تعد الخوارزميات بدقة تشخيص الأمراض مع مجازفة تقليص الحس الطبي الإنساني، فضلًا عن ارتباك الخدمات العامة كالملاحة الجوية وتمركز النفوذ في أيدي القلة التي تمتلك أقوى المنظومات. لكن التحول الأعمق يظهر في الساحات العسكرية، حيث تفرض الأسلحة المستقلة معضلة أخلاقية وقانونية معقدة في حال ارتكاب خطأ مميت واستهداف أهداف دون إشراف بشري مباشر: من يتحمل المسؤولية الجنائية حينها؟ هل هو المبرمج، أم القائد الميداني، أم الشركة المصنعة، أم الدولة؟ إن المسافة الجغرافية عن ميدان القتال تخفض الحواجز النفسية والسياسية لاستخدام السلاح، بل تمهد للاشتباك الخاطف بين آلات تتفاعل مع آلات متجاوزة أي تروٍ بشري.

لم يعد هذا السجال ترفًا نظريًا للغرب، بل يمس مباشرة كلفة التشغيل واستراتيجيات التوريد في الخليج ومصر والشام. فعندما تأتي تحذيرات الخروج عن السيطرة من مهندسي الأمان داخل المختبرات التي تبيع النماذج لمصارف المنطقة وهيئاتها العامة، يصبح الاعتماد على النماذج المغلقة مخاطرة تنظيمية تستوجب تدقيقًا مستقلًا. يتعين على المؤسسات الإقليمية بناء طبقات فحص وحوكمة محلية تضمن بقاء الإنسان مشرفًا على القرار، مع حماية المسارات المهنية للكوادر الشابة من التآكل السريع نتيجة إلغاء الوظائف المكتبية المبتدئة، وفرض رقابة صارمة تمنع تفويض الأنظمة الآلية في البنى التحتية الحرجة والأمنية دون مراجعة إنسانية فاصلة.

تؤكد رئيسة التحرير أن المخرج لا يتمثل في تعطيل البحث العلمي ولا في الهرولة العشوائية دون كوابح، وإنما في ضبط وتيرة النشر بما يمنح المجتمعات والمشرعين وقتًا حقيقيًا لبحث حدود استخدام الذكاء الاصطناعي وتنظيمه. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بهوية المنتصر في سباق الإنسان والآلة، وإنما بقدرة المجتمعات على تسخير الأدوات المستحدثة دون فقدان زمام التحكم في النظام الاجتماعي الذي أُنشئت التقنية من أجل خدمته.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد