فجوة الإنتاج تعطل عوائد الحوسبة في الشرق الأوسط
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
استثمرت دول المنطقة مليارات الدولارات في مراكز البيانات والحوسبة الفائقة، لكن العائد الإنتاجي الحقيقي لا يزال معلقًا على مسافة بعيدة من غرف الخوادم. تشير تقديرات البنك الدولي في تقرير حديث إلى أن السعودية والإمارات نجحتا في حجز مقعدين بين أفضل 25 دولة حول العالم في البنية التقنية والذكاء الاصطناعي، غير أن هذا الصعود يواجه اختبارًا عمليًا قاسيًا داخل مكاتب الشركات والمصانع.
المفارقة الكبرى التي رصدها التقرير تكمن في المسافة الشاسعة بين استهلاك النماذج وتطويعها في صلب الأعمال. فرغم أن التقنية قادرة على رفع إنتاجية ما يصل إلى 20 بالمئة من وظائف المنطقة دون تهديد فوري للأتمتة الكاملة، إلا أن النسبة الكاسحة من الشركات لا تزال تحصر الاستخدام في إنتاج المحتوى المرئي والنصوص الروتينية. وتكشف بيانات الأردن وحدها حجم هذا الاختلال، حيث توظف 96 بالمئة من الشركات التقنية لتوليد المحتوى، في حين عجزت أكثر من 95 بالمئة منها عن دمج خوارزمية واحدة داخل عملياتها التشغيلية وسلاسل إمدادها.
هذا الانكفاء على الاستخدامات السطحية جعل أسواق المنطقة تتراجع في مؤشرات الابتكار أمام اقتصادات ناشئة منافسة. 16 بالمئة فقط من شركات المنطقة طرحت منتجًا أو خدمة جديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، مقابل 29 بالمئة في الأسواق النظيرة. ويستمر هذا التباين في الاستثمار بالأصول الإنتاجية، إذ لم تتجاوز حصة الشركات الإقليمية 24 بالمئة مقارنة بنحو 37 بالمئة عالميًا، بينما استثمر أقل من خمس الشركات في تدريب موظفيها تدريبًا رسميًا على التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
وتتضاعف الأزمة عند فحص البيانات التي تبنى عليها الحلول المتقدمة. لا تمثل اللغة العربية سوى 1 بالمئة فقط من مجمل بيانات التدريب للنماذج العالمية، رغم أن عدد المتحدثين بها يتجاوز نصف مليار إنسان. هذا الغياب الصريح يفرز نماذج تعاني من ضعف الدقة وتتجاهل السياقات واللهجات الشائعة، مما يجعل الاعتماد عليها في قرارات الاستثمار وسلاسل التوريد محفوفًا بالخلل الفني والتكاليف الإضافية.
أمام القائد التقني في الخليج ومصر والشام حقيقة تشغيلية تفرض إعادة النظر في تخصيص الميزانيات: بناء السعة الحوسبية وحده لم يعد كافيًا لتبرير الإنفاق ما لم يرتبط بنماذج عمل محلية دقيقة وحوكمة واضحة للبيانات. يفرض هذا المشهد التحول نحو حلول الذكاء الاصطناعي المدمج والصغير، وهي أدوات منخفضة التكلفة وذات متطلبات معالجة محدودة تثبت جدواها مباشرة في قطاعات الزراعة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، بدل استنزاف الموارد في نماذج عملاقة لا تفهم بيئة العمل الإقليمية.
المنافسة المقبلة لم تعد تدور حول سعة المعالجات وعدد الرقائق، بل حول امتلاك الكفاءات القادرة على حماية الأصول المعرفية وتحويل العمليات التشغيلية من مجرد واجهات لتوليد النصوص إلى محركات إنتاج حقيقية.