تخطَّ إلى المحتوى

رهان أمازون على الحوسبة المحيطية: أجهزة ذكية في الخلفية تنهي عصر شاشات التطبيقات

شارك المقال
رهان أمازون على الحوسبة المحيطية: أجهزة ذكية في الخلفية تنهي عصر شاشات التطبيقات
الصورة: Vitaly Gariev / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

جلس بانوس باناي على منصة مؤتمر «تك كرانش ديسرابت» ليضع حدًا لنمط الاستخدام الذي حكم الهواتف الذكية لسنوات، واصفًا تجربة المستخدم الحالية بأنها تقوم على حلقة متكررة من التصويب والالتقاط ثم العودة، حيث يضطر الإنسان إلى تذكر ما يطلبه من أدواته طوال الوقت. نائب الرئيس الأول للأجهزة وخدمات أليكسا وليو في شركة أمازون، والذي قاد تطوير أجهزة «سيرفس» في مايكروسوفت على مدى تسعة عشر عامًا، يرى أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي الشخصي تتجاوز نوافذ البرامج وشاشات المتاجر الرقمية، لتعتمد على أجهزة محيطية تعمل بهدوء في الخلفية وتلتقط ما يحتاجه الإنسان قبل أن يطلبه.

ترجمة هذا التوجه ظهرت ميدانيًا مع كشف أمازون عن عائلة أجهزة «بي» الجديدة، وهي حزمة من العتاد القابل للارتداء صُممت لتعمل بوصفها ملتقطًا سلبيًا للصوت ومدونًا مستمرًا لملاحظات اليوم. تضم التشكيلة سوارًا يُرتدى حول المعصم ويمكن فصله ليتحول إلى قلادة حول العنق، إلى جانب جهاز بحجم بطاقة الائتمان يثبت مغناطيسيًا على ظهر الهاتف الذكي. هذه الأجهزة لا تنتظر نقرة إصبع على أيقونة، وإنما تستمع للبيئة المحيطة لتستخرج قوائم المهام والتذكيرات والرؤى اليومية، في محاولة لمنح المستخدم مساحة للبقاء حاضرًا في محيطه الاجتماعي دون خوف من ضياع تفاصيل يومه.

حماية الخصوصية هنا ليست خيارًا تجميليًا، بل هي القيد الهندسي الأول لضمان بقاء العتاد في جيوب المستخدمين. توضح التفاصيل التقنية للأجهزة أن الصوت الخام لا يُخزن إطلاقًا بعد التقاطه، إذ تجري معالجته فوريًا وفي الزمن الحقيقي ثم يُحذف نهائيًا بمجرد الانتهاء. وتتحول المحادثات إلى نصوص مشفرة بمفاتيح رقمية يُنشئها جهاز المستخدم ويتحكم فيها وحده، بما يمنع أي طرف خارجي، بما في ذلك موظفي أمازون أنفسهم، من الوصول إلى تلك السجلات ما لم يقرر صاحب الجهاز مشاركتها عمدًا. هذا الفصل المعماري يمثل الإجابة التي يطرحها باناي على التخوف المزمن من تحول مسجلات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات تنصت عشوائية.

الرؤية التي يطرحها رئيس أجهزة أمازون تتجاوز العتاد بحد ذاته نحو تفكيك فكرة التطبيق بوصفه وحدة التعامل الأساسية. يرى باناي أن الجيل القادم من المستخدمين لن ينطق بعبارة ابحث لي عن تطبيق لتنفيذ المهمة، بل سينتظر من النظام المحيط أن يفهم احتياجه تلقائيًا عبر الحساسات الموزعة. ولا يعني ذلك اختفاء الهاتف الذكي من المشهد؛ فالمسألة في تقديره لا ترتبط بإلغاء شكل عتادي لحساب آخر، وإنما بتأسيس طبقة استخبارات رقمية تجمع الأجهزة معًا وتستفيد من المستشعرات لخدمة المستخدم في بيئته اليومية.

تحول نقطة الاتصال من الواجهات الرسومية إلى طبقات الاستشعار المحيطية يفرض إعادة ترتيب لأولويات فرق البرمجة في منطقتنا. لعقد كامل، استثمرت الشركات الناشئة والمؤسسات المصرفية والحكومية في الخليج ومصر والشام ميزانيات ضخمة لبناء تطبيقات هواتف متكاملة تحاول حجز مساحة دائمة على شاشة المستخدم. لكن صعود هذه الأجهزة المحيطية ينقل مركز الثقل من واجهات الأزرار وصفحات الهبوط نحو كفاءة الأنظمة في التخاطب الخلفي، وتوفير واجهات برمجية تستدعيها خوارزميات الذكاء الاصطناعي في اللحظة المناسبة دون حاجة لفتح تطبيق تقليدي. يضاف إلى ذلك أن المعايير الصارمة لحماية البيانات في الأسواق الإقليمية ستجعل من المعالجة اللحظية والتشفير المحلي بمفاتيح العميل شرطًا لا تفاوض فيه لاعتماد أي عتاد ذكي داخل بيئات الأعمال والمؤسسات الرسمية.

حسم المنافسة التكنولوجية المقبلة يرتبط مباشرة بقدرة النظم الذكية على العمل في الخلفية دون مقاطعة حياة المستخدم. انتقال الهندسة من تلقي الأوامر المباشرة إلى استيعاب السياق يعيد تعريف الحوسبة الشخصية، واضعًا مطوري البرمجيات أمام واقع يفرض تصميم خدمات تتفاعل مع ما ترصده المستشعرات بدلاً من ترقب ما تطبعه الأصابع على زجاج الشاشات.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد