تخطَّ إلى المحتوى

ميثاق الحياد يتصدع: صناديق الاستثمار تضطر لتمويل المتنافسين في سباق وكلاء البرمجة

شارك المقال
ميثاق الحياد يتصدع: صناديق الاستثمار تضطر لتمويل المتنافسين في سباق وكلاء البرمجة
الصورة: Marc Wieland / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

سقط الميثاق غير المكتوب الذي حكم وادي السيليكون لعقود، وبات التزام صناديق رأس المال الجريء بعدم تمويل شركات تتنافس وجهاً لوجه عبئاً تعجز سرعة طفرة الذكاء الاصطناعي عن تحمله. أمام جمهور مؤتمر «تك كرانش ديسرابت»، لم تتردد قيادة شركة «بينشمارك»، إحدى أعرق منصات الاستثمار الجريء التي بنت سمعتها على الشراكة الوثيقة مع المؤسسين لعقد كامل أو يزيد، في الإقرار بأن تلك القاعدة لم تعد صالحة للاعتماد المطلق؛ فالصراع بين الشركات في المحفظة الواحدة أضحى مسألة اضطرار لا خيار.

جاء هذا التحول العلني بعد توترات صامتة بلغت ذروتها عندما وجد المستثمرون أنفسهم في قاعات مجالس إدارة كيانات متصارعة، حيث يتقاسم العملاقان «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» العشرات من حاملي الحصص أنفسهم. غير أن الانفجار الفعلي وقع نهاية سبتمبر عندما أعلنت شركة «فاكتوري»، المتخصصة في بناء وكلاء أذكياء لكتابة البرمجيات، طرد مراقب مجلس إدارتها ومستشارها كريس ديغنان بدعوى ارتكاب سلوك غير مهني مع منافستها المباشرة «كوجنيشن» مطورة وكيل البرمجة الشهير «ديفين». ورغم نفي ديغنان، الذي انتقل رسمياً ليشغل منصب مدير الإيرادات لدى «كوجنيشن»، ومسارعة المستثمر فينود خوسلا إلى مهاجمة «فاكتوري» علناً ووصفها بالمنافس المتعثر، فإن صندوق «خوسلا فنتشرز» يملك حصصاً استثمارية في الشركتين المتنافستين في آن واحد.

تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي واقتراب تكلفة بناء البرمجيات من الصفر هما المحرك الأساسي لهذا التآكل في أعراف الاستثمار. يوضح شريك «بينشمارك» شيتان بوتاغونتا أن انخفاض كلفة التطوير يدفع المؤسسين إلى طموحات جارفة تجعلهم يطمعون في ابتلاع كامل مساحة السوق البرمجية المتاحة، مما يقود حتماً إلى تصادم كيانات المحفظة الاستثمارية لاحقاً حتى لو كانت مجالاتها متباينة عند مرحلة البذور. من جانبه، وصف الشريك إريك فيشريا هذا الواقع بالديناميكية الحتمية التي تفرض النزاعات بسبب التبدل والتحول السريع في نماذج الأعمال، في حين صنف الشريك بيتر فينتون القضية بأنها مادة الكريبتونايت الخارقة وأصعب معضلة تواجه الصندوق الذي يرى الشفافية المطلقة قاعدة ذهبية تحول دون مفاجأة المؤسس بعد فوات الأوان.

ما تشهده أسواق كاليفورنيا يعيد رسم قواعد اللعبة لمجالس الإدارات وفرق التقنية في الخليج ومصر والمنطقة العربية عموماً. يواجه قادة التقنية التنفيذيون ورؤساء قطاعات التحول الرقمي في المصارف والمؤسسات الإقليمية واقعاً جديداً عند التعاقد مع أدوات ووكلاء البرمجة الذاتية؛ فالأمان الرقمي وسرية خطط التطوير لم يعودا مضمونين بمجرد توقيع اتفاقيات عدم الإفصاح، إذا كانت الصناديق المالكة للمنصة تملك أيضاً مفاتيح الوصول إلى كود المنافس وتجلس في لجان إدارته. وفي المقابل، يتعين على المؤسسين ورواد الأعمال العرب الذين يتفاوضون على جولات تمويل مبكرة التخلي عن وهم الحصرية التقليدية؛ فالصندوق الاستثماري الذي يوقع معك اليوم قد يقود غداً جولة لمنافسك المباشر مع أول توسع أفقي لأحد وكلاء الذكاء الاصطناعي نحو قطاعك.

لم تعلن «بينشمارك» وفاة ميثاق الحياد رسمياً، لكن اعترافها العلني بالنزاعات القادمة يوجه رسالة حاسمة للمنظومة التقنية بأكملها. البقاء محايداً في عالم يتمدد فيه الوكلاء الأذكياء أسرع من خطط الأعمال أصبح ترفاً لا يقدر عليه حتى أكثر المستثمرين ولاءً.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد