تخطَّ إلى المحتوى

سباق النماذج الفائقة يضيق بين واشنطن وبكين: اتهامات «التقطير الصناعي» تكشف حدود قيود الرقائق

شارك المقال
سباق النماذج الفائقة يضيق بين واشنطن وبكين: اتهامات «التقطير الصناعي» تكشف حدود قيود الرقائق
الصورة: Ben Wicks / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تتسارع وتيرة المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين مع تقلص الفجوة المعرفية بين النماذج الأمريكية ونظيراتها الصينية، في تحول استراتيجي يضع قيود التصدير الغربية أمام اختبار حقيقي. فرغم الحظر الصارم الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على وصول الصين إلى أحدث الرقائق ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، تشير تقارير دولية متخصصة، من بينها تقرير معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي، إلى أن الصين نجحت في ترسيخ موقعها كثقل موازن حقيقي للولايات المتحدة، وباتت الفجوة بين قدرات نماذج الطرفين توصف بأنها ضيقة وهشة.

لم يعد الحضور الصيني مقتصرًا على الأبحاث النظرية، بل ترجمته الشركات الناشئة والعملاقة إلى منتجات وضعت وادي السيليكون في حالة تأهب. أطلقت شركة «مون شوت» نموذجها «كيمي كيه 3» الذي صعد سريعًا إلى المرتبة الثالثة عالميًا في ذكاء النماذج وفق منصة التحليل المتخصصة، قبل أن تدفعه موجة التحديثات المتلاحقة إلى المركز التاسع. وتزامن ذلك مع إعلان «ديب سيك» عن معاينة نموذجها «في 4» بقدرات متقدمة في المعرفة والاستدلال والتخطيط الوكيل المستقل، بعدما أحدث نموذجها السابق ثورة في كفاءة التكلفة مقارنة بالنماذج الأمريكية. ولم تتوقف المنافسة عند هذا الحد، إذ طرحت شركة «زد دوت إيه آي» نموذجي «جي إل إم 5.2» و«جي إل إم 5.3» اللذين حسّنا قدرات البرمجة والعمل الوكيل، بينما قدمت «علي بابا» نموذج «كوين 3.8 ماكس» لمنافسة أحدث أجيال «كلود» و«جي بي تي».

التحول الأبرز في واشنطن يتمثل في إدراك أن حظر الرقائق وحده لم يعد كافيًا لحماية التفوق التقني. وجهت الأجهزة الأمنية الأمريكية، وفي مقدمتها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، اتهامات صريحة للمطورين الصينيين بممارسة ما وصفته بـ«التقطير على نطاق صناعي»، مدعية استخلاص قدرات النماذج الأمريكية المتقدمة عبر استهداف منظم وممنهج. وانضمت شركة «أنثروبيك» إلى هذه الاتهامات متهمة شركات ناشئة صينية بإعادة توجيه استفسارات المستخدمين إلى نماذجها. وفي حين رفضت بكين هذه المزاعم مؤكدة أن التقطير تقنية تدريب معتمدة عبر قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله ومتهمة واشنطن بالسعي لاحتكار الصناعة، يرى محللو السياسات التكنولوجية أن مراكز الأبحاث الأمريكية تدفع فواتير حوسبة باهظة لدفع حدود التطور، بينما تستوعب النماذج الصينية تلك القدرات وتطرحها لاحقًا كأوزان مفتوحة تنتشر عالميًا.

في المقابل، لا تخلو الساحة الصينية من مخاوف أمنية عميقة تعكسها تحذيرات وزارة أمن الدولة؛ إذ نبه الوزير تشن يي شين في مقال رسمي إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر تمس الأمن السياسي والمؤسسي والأيديولوجي حال استغلاله في حملات تضليل واسعة عبر التزييف العميق، محذرًا صراحة من قدرة النماذج التوليدية الغربية على كشف الثغرات السيبرانية واستخدامها في عمليات اختراق معقدة، وهو ما يدفع القيادة في بكين إلى الجمع بين تسريع وتيرة الاكتفاء الذاتي التقني والمطالبة بإطار دولي لحوكمة المخاطر وضبطها.

هذا التفكك في احتكار النماذج الفائقة يفرض حسابات هندسية واقتصادية جديدة على الشركات والمؤسسات التقنية في الخليج ومصر والشام. المؤسسات الإقليمية التي تبني منظوماتها لم تعد مضطرة لحصر خياراتها في واجهات برمجة التطبيقات الأمريكية مرتفعة التكلفة، بل بات أمامها بديل عملي يتمثل في نماذج الأوزان المفتوحة عالية الكفاءة والقادمة من الشرق، والتي يمكن استضافتها مباشرة داخل مراكز البيانات المحلية لضمان السيادة الكاملة على البيانات وخفض نفقات الاستدلال بصورة ملموسة. وفي الوقت نفسه، فإن تحول التركيز الأمريكي نحو مراقبة مخرجات النماذج وملاحقة عمليات التقطير يفرض على فرق التطوير في المنطقة تدقيقًا صارمًا في مصادر البيانات الاصطناعية ومسارات تدريب النماذج المتخصصة، تجنبًا لأي قيود تقنية أو ملاحقات ترخيصية قد تفرضها المنصات المغلقة على تدفق الاستعلامات.

ينقل هذا التطور معادلة الذكاء الاصطناعي من مجرد سباق على تسليح مراكز البيانات بالسيليكون، إلى معركة استراتيجية حول انتقال المعرفة البرمجية عبر مخرجات الاستدلال. وبينما تتهيأ القوى الكبرى لجولات تفاوض سياسي وتنظيمي جديدة، تتأكد ضرورة تنويع البنية التحتية للنماذج داخل المنطقة، وتفادي الاعتماد الأحادي على مزود وحيد مهما بلغت قدراته الحوسبية.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد