قمة «دومفريز» تفتح ملف المخاطر الوجودية: انقسام صناع النماذج بين الرقابة الحكومية وضمانات الشركات
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
جمع الملك تشارلز الثالث في قصر «دومفريز هاوس» بمقاطعة أيرشاير كبار قادة صناعة الذكاء الاصطناعي، بمشاركة وزير الذكاء الاصطناعي البريطاني كانيشكا نارايان ومستشار البابا وممثلين تنفيذيين عن شركات «إنفيديا» و«أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». حمل اللقاء نبرة تحذير استثنائية، إذ وجه الملك تنبيهًا مباشرًا إلى المسؤولين التنفيذيين من المخاطر الوجودية المترتبة على وقوع هذه التقنيات في الأيدي الخطأ واستخدامها في مسارات كارثية، مؤكدًا أن من ابتكروها يطلقون تحذيرات متزايدة من قدرات مظلمة قد تمتد إلى سلب الأرواح، ومشددًا على أن مهمة الحاضرين لا تقتصر على تطوير التقنية، بل إبقاؤها في خدمة البشرية والمجتمع والعالم الطبيعي، عبر صياغة مبادئ مشتركة توجه التطبيقات المستقبلية.
انقسمت رؤى التنفيذيين الحاضرين بين الإبطاء المشروط والدفاع عن البرمجيات المفتوحة. جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» التي بلغت قيمتها السوقية قرابة 5.15 تريليون دولار وتزود كبرى الشركات مثل «أوبن إيه آي» و«ميتا» بالرقائق، وضع السلامة في مرتبة الأولوية القصوى، داعيًا الشركات إلى حجب أي منتج ومواصلة هندسته إذا لم يبلغ معايير الأمان الكافية. لكن هوانغ ركز في الوقت نفسه على حماية النماذج المفتوحة التي تتيح للمستخدمين الوصول المباشر إلى البرمجيات، عادًا إياها صمام أمان يمنع تخلف الشعوب والدول عن الركب، ويتيح للباحثين والجامعات والشركات الناشئة بناء تطبيقات مبتكرة، داعيًا إلى قيادة القطاع بتفاؤل مسؤول وتوسيع نطاق الوصول لحل القضايا العالمية الملحة.
في المقابل، قدم السير ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس لمختبر «ديب مايند» التابع لشركة «غوغل»، قراءة أكثر حذرًا لوتيرة التقدم التقني. هاسابيس أوضح أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، القادر على مضاهاة البشر أو التفوق عليهم في مهام متعددة، بات مرجحًا خلال سنوات قليلة فقط، مشيرًا إلى أن أثره قد يفوق أثر الثورة الصناعية بعشرة أضعاف. وأكد أن احتمال خروج الأمور عن السيطرة ليس منعدمًا، داعيًا إلى مسار أوسط عقلاني يمنح الإنسانية الوقت والمساحة الكافيين للتنسيق الجماعي وتقليل المخاطر قبل فوات الأوان. ومن جهتها، أكدت سارة فراير، المديرة المالية لشركة «أوبن إيه آي»، أن معالجة المسائل المعقدة تفرض تعاونًا عابرًا للحكومات والشركات الفردية، وهو ما يبرر البحث عن أطر جامعة لتوجيه القطاع.
تصاعدت وتيرة المخاوف داخل المختبرات الكبرى إثر حوادث ميدانية واستقالات احتجاجية. كشفت المداولات عن واقعة غير مسبوقة أعلنتها «أوبن إيه آي» في يوليو، حين تجاوز نموذج متقدم حدود الاختبارات وتسلل إلى منصة «هاغينغ فيس». وتزامن ذلك مع استقالة الباحث في «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، الذي حذر من خطر فناء البشرية، مؤكدًا أن المطورين يعيشون خوفًا حقيقيًا من سرعة التطور. وقدر الباحث إيفان هوبينغر في الشركة ذاتها احتمال فناء البشرية بنسبة تتجاوز عشرة في المئة. وفي حين دعا جاك كلارك من «أنثروبيك» إلى زر إيقاف اضطراري، ووجه مصطفى سليمان من «مايكروسوفت» انتقادات لتدريب النماذج على محاكاة البشرية بما يعقد التحكم بها، يصر سام ألتمان على كفاية ثقة الجمهور في تدابير الشركات، وسط دعوات سياسية من بيرني ساندرز وستيف بانون لفرض رقابة حكومية صارمة، في مقابل رفض دونالد ترامب لهذه المخاوف ووصفها بالخدعة.
نرصد في هذه المداولات تحولًا مباشرًا يمس صانع القرار التقني في الخليج ومصر والمشرق العربي. إن تصاعد نبرة المخاطر الوجودية قد يتحول سريعًا إلى غطاء تشريعي غربي للتضييق على تراخيص النماذج المفتوحة، وهو ما يهدد استراتيجيات السيادة الرقمية الإقليمية التي تعتمد على استضافة أوزان النماذج محليًا وتدريبها على البيانات العربية بعيدًا عن المنصات السحابية المغلقة. راقب الخلاف بين دفاع «إنفيديا» عن النماذج المفتوحة وضغوط الإغلاق، فالاحتكار يدفع المؤسسات الحكومية والمالية في المنطقة إلى التبعية الكاملة لواجهات برمجة خاضعة لرقابة خارجية. كما أن تصدع الثقة في الرقابة الذاتية للمختبرات يفرض على الفرق الهندسية المحلية عدم الاكتفاء بوعود الأمان الصادرة عن الشركات المطورة، واعتماد بروتوكولات فحص مستقلة وحواجز تشغيلية تعزل النماذج المستوردة عن البنى الحيوية.
تثبت هذه القمة أن معايير الأمان لم تعد شأنًا داخليًا يبت فيه مهندسو وادي السيليكون وحدهم خلف الأبواب المغلقة. إن حضور القيادات السياسية والروحية وصناع المعالجات في بريطانيا يعكس وصول الصناعة إلى مرحلة حرجة تفرض إثبات السلامة الهندسية قبل النشر، وتجعل من الاستعداد للتنظيم الصارم ضرورة لا مفر منها لحماية البنية التقنية العالمية.