تخطَّ إلى المحتوى

«أستروفورج» تسند قيادة مركبتها للذكاء الاصطناعي: نموذج محول يزيح كلفة المحطات الأرضية

شارك المقال
«أستروفورج» تسند قيادة مركبتها للذكاء الاصطناعي: نموذج محول يزيح كلفة المحطات الأرضية
الصورة: Ana Garnica / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تفرض استكشافات الفضاء السحيق معادلة تشغيلية ومالية بالغة التعقيد، فالوصول إلى كويكب بعيد والعمل في مداره تطلبا تاريخياً غرف عمليات أرضية هائلة، كما حدث في مهمة «أوزيريس ريكس» التابعة لوكالة ناسا عام 2018 حين استلزمت إدارة كل وردية عمل نحو مئة مشغل بشري. هذه الموارد الضخمة تظل عائقاً أمام الشركات الناشئة، وبناء شبكة اتصالات أرضية خاصة تضم خمسة أطباق عملاقة حول العالم يكلف قرابة مئتي مليون دولار، بخلاف مصاريف الصيانة والتشغيل المستمر. أمام هذا الواقع، تابعت منصتنا قرار شركة «أستروفورج» المتخصصة في تعدين الكويكبات بالاستغناء عن الاعتماد الكامل على التحكم الأرضي، وتطوير مكدس تحكم ذاتي مدفوع بنموذج محول داخلي أطلقت عليه اسم «سولو»، ليتولى إدارة مركباتها في الفضاء دون توجيه مباشر.

لم يأتِ هذا التحول نتيجة ترف تقني، بل فرضته انتكاسة صعبة عاشتها الشركة بعد إطلاق مركبتها «أودين» نحو الفضاء العميق عام 2025. واجه الفريق آنذاك صعوبات قاسية في التواصل مع المركبة نتيجة قلة الهوائيات الأرضية الكبيرة القادرة على الإرسال لمسافات تبلغ مئات آلاف الأميال، إلى جانب ضيق النوافذ الزمنية المتاحة للبث، ما أدى في النهاية إلى فقدان السيطرة عليها دون أن تتمكن الأنظمة البرمجية التقليدية على متنها من محاولة تصحيح الخلل ذاتياً. دفع هذا الإخفاق الشركة إلى الاستفادة من تطورات النماذج المحولة، فصممت مكدساً يجمع بين خوارزميات التحكم الكلاسيكية، ونماذج مدربة على بيانات اختبار مخصصة لأنظمة فرعية كالملاحة وتوليد الطاقة، تعلوها طبقة ذكاء مدربة على قراءات نحو ألفين وخمسمئة مستشعر داخل المركبة لحل الأعطال الطارئة بصورة مستقلة.

تراهن هذه التجربة على إثبات كفاءة الشبكات العصبية في الفضاء المفتوح، متجاوزة الحذر التاريخي للقطاع الذي حصر استقلالية المركبات في خوارزميات التحكم الجامدة خشية أخطاء النماذج التوليدية. ويبدأ اختبار هذا المسار عملياً بنهاية عام 2026 عبر إرسال نموذج «سولو» على متن المركبة الثالثة «ديب سبيس 2» المرافقة لمهمة القمر الثالثة لشركة «إنتويتيف ماشينز»، حيث سيعمل النموذج في وضع المراقبة والاختبار دون صلاحيات قيادة فعلية. أما المحطة الفاصلة فستكون في عام 2027 خلال مهمة «أوتونومي 1» المدعومة من ناسا لدراسة الشمس على متن أول صواريخ شركة «ستوك سبيس»، وهي مهمة يخطط مسؤولو الشركة لإطلاقها دون أجهزة استقبال راديوية من الأرض، لإجبار المركبة على اتخاذ قرارات النجاة وإدارة مهمتها العلمية اعتماداً على عقلها الحوسبي وحده.

نرى في هذا التحول دلالة عملية تعيد رسم خطط المشروعات الفضائية والأنظمة المتقدمة في الخليج ومصر، حيث اعتمدت الاستراتيجيات الإقليمية طويلاً على ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة لتأسيس محطات تحكم أرضية وأطباق تتبع تتطلب تشغيلاً بشرياً مستمراً. إن إثبات جدوى وكلاء التحكم المعتمدين على النماذج المحولة يتيح للمشروعات الناشئة خفض تكاليف البعثات العميقة بصورة جذرية، وينقل المنافسة من حيازة التجهيزات الأرضية الثقيلة إلى كفاءة البرمجيات المدمجة. وإن كنت تدير فريقاً هندسياً أو تشارك في تطوير أنظمة استشعار محلية، فالمهارة الأكثر طلباً لم تعد تدريب نماذج لغوية كبرى في مراكز البيانات، بل تطويع نماذج الحافة للتعامل مع آلاف الحساسات والبيانات الفيزيائية في بيئات قاسية تنعدم فيها الاتصالات.

يضع هذا الاتجاه معياراً جديداً لاستقلالية الآلات الفيزيائية عموماً، فقدرة الوكيل الذكي على استنتاج مواطن الخلل وإعادة ضبط الوحدات المعطلة ذاتياً تمثل حاجة ماسة ليس للمركبات الفضائية فحسب، بل للروبوتات ومعدات التنقيب الصناعية العاملة في مناطق صحراوية أو نائية تنقطع عنها التغطية الرقمية. إن الاختبار الحقيقي لبرمجيات الاستقلالية لا يقاس بمهارتها النظرية في غرف الأبحاث، بل بقدرتها على البقاء وإدارة الأزمات في العزلة التامة دون انتظار تدخل من البشر.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد