تخطَّ إلى المحتوى

أستراليا تضع 240 مليار دولار أمام اختبار الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي

شارك المقال
أستراليا تضع 240 مليار دولار أمام اختبار الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي
الصورة: Caleb / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

ماذا يتغير عندما تتوقف دولة عن سؤال الذكاء الاصطناعي عما يستطيع فعله، وتبدأ بسؤاله عن ساعات العمل والمنازل وأيام الانتظار؟ تقرير جديد نشرته Google Australia في 31 يوليو يقدّر أن تبني الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف 240 مليار دولار أسترالي إلى اقتصاد البلاد بحلول 2035. الرقم كبير، لكن القصة الأهم ليست حجمه. إنها محاولة تحويل وعد تقني واسع إلى حسابات يمكن للحكومة والمدرسة والعيادة والشركة الصغيرة أن تناقشها.

أعدت وكالة Public First التقرير لصالح Google، واستند الجزء المسحي فيه إلى عينة من 1,039 بالغا عبر الإنترنت في أستراليا خلال مارس 2026. وجرى ترجيح النتائج بحسب العمر والجنس والتعليم والمنطقة لتقريبها من التوزيع الوطني. لذلك لا ينبغي قراءة الأرقام باعتبارها عائدا تحقق فعلا، بل كتقديرات مبنية على نمذجة وافتراضات عن سرعة التبني وكيفية استخدام الأدوات.

التحول يبدأ من الوقت الذي يعود إلى الناس: يقول التقرير إن الذكاء الاصطناعي قد يرفع نمو إنتاجية العمل السنوية إلى 1.6% خلال العقد من 2025 إلى 2035. وفي الرعاية الصحية، يقدّر أن الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة قد يساعد على إنقاذ 3,200 حياة سنويا، وأن أتمتة الأعمال الإدارية يمكن أن تعيد إلى كل طبيب 20 يوم عمل في السنة، أي نحو 3.1 ساعات أسبوعيا. كما يتوقع اختصار 6.1 سنوات من مسارات اكتشاف بعض الأدوية المستهدفة. هذه ليست وعودا سريرية مباشرة، بل سيناريوهات لنتائج محتملة إذا وصلت الأدوات إلى الخدمة الفعلية ضمن أنظمة موثوقة.

في التعليم، يقدّر التقرير أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تخطيط الدروس والتغذية الراجعة قد يوفر للمعلم 34 يوم عمل سنويا، أو 5.3 ساعات كل أسبوع. ويقترح أن التدريس المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد يخفض فجوة التحصيل الحسابي لدى طلاب السكان الأصليين بنسبة 35%، بما يعادل وصول نحو 3,100 طالب إضافي إلى مستوى الكفاءة في الصف التاسع كل عام. لكن وجود أداة قادرة على تخصيص الشرح لا يضمن هذه النتيجة وحده. يلزم تدريب المعلمين، وضبط جودة المحتوى، وحماية بيانات الطلاب، وقياس أثر حقيقي داخل الفصول.

حتى أزمة السكن دخلت دفتر الحساب: يقدّر التحليل أن تسريع مراجعة طلبات التخطيط يمكن أن يضيف 23 ألف منزل سنويا، بزيادة 12%، بينما يمكن للأسر توفير 3,800 دولار أسترالي في السنة عبر أدوات تقارن العروض وتقلل هدر الطاقة. هنا يظهر اتساع تعريف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. المسألة ليست مراكز بيانات ونماذج فقط، بل بيانات عقارية قابلة للاستخدام، وإجراءات حكومية واضحة، وربط آمن بين الأنظمة، وقدرة المواطن على الاعتراض حين يخطئ القرار.

الرقم الذي يحتاج إلى حاشية: Google تقول أيضا إن منتجاتها ساعدت في تمكين 59 مليار دولار أسترالي من النشاط الاقتصادي للشركات خلال 2025، منها 36 مليارا للشركات الصغيرة والمتوسطة، ودعمت 180 ألف وظيفة و5.2 مليارات من عائدات التصدير. هذه أرقام صادرة عن شركة لها مصلحة تجارية مباشرة في توسيع استخدام خدماتها، حتى وإن أعدت الدراسة جهة خارجية. القيمة التحريرية هنا تأتي من الفصل بين قياس الفرصة وتسويق المورد: يمكن استخدام التقرير لصياغة أسئلة وسياسات، لا باعتباره فاتورة مؤكدة للمستقبل.

من زاوية التحول الاقتصادي، تقدم أستراليا نموذجا مفيدا للمنطقة العربية. دول الخليج تستثمر بكثافة في القدرة الحاسوبية والمنصات السيادية، فيما تسعى اقتصادات عربية أخرى إلى تحسين الخدمات بموارد أضيق. الدرس القابل للنقل ليس رقم 240 مليارا، لأن أحجام الاقتصادات وأنظمة العمل تختلف. الدرس هو بناء خط أساس لكل قطاع: كم ساعة يستهلكها الطبيب في الإدارة؟ كم يوما تحتاج رخصة البناء؟ أين تتسع فجوة التعلم؟ وبعد ذلك يوضع الذكاء الاصطناعي أمام نتيجة محددة وميزانية ومسؤول واضح.

الاختبار العربي ليس شراء الأداة، بل إثبات الأثر: تستطيع مؤسسة في الرياض أو أبوظبي أو القاهرة أن تعلن مساعدا ذكيا خلال أسابيع، لكن القيمة العامة لا تظهر إلا عندما تقارن زمنا وتكلفة وجودة قبل التشغيل وبعده. وينبغي أن تشمل المقارنة الأخطاء والشكاوى واستهلاك الطاقة وتوزيع المنفعة بين المدن والفئات، لا عدد المستخدمين فقط. بذلك تصبح السيادة الاقتصادية قدرة على اختيار ما يستحق التوسع، لا مجرد امتلاك الخوادم.

الخلاصة الصادقة أن التقرير لا يثبت أن أستراليا ستحصل على 240 مليار دولار، لكنه يرفع مستوى السؤال. بدل الاحتفاء بعدد النماذج، يطالب صانع القرار بصورة قابلة للقياس عن الحياة التي يفترض أن تتحسن. وهذا معيار مناسب للمنطقة أيضا: إذا لم تستطع المبادرة تحديد الوقت الذي ستعيده، والخدمة التي سترفع جودتها، ومن سيتحمل خطأها، فهي ما زالت عرضا تقنيا أكثر منها سياسة تحول اقتصادي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد