تخطَّ إلى المحتوى

«أوهام الخطر الوجودي تصرف الأنظار: كيف يشرعن الاستخدام المتعجل للذكاء الاصطناعي تفكيك الخصوصية؟»

شارك المقال
«أوهام الخطر الوجودي تصرف الأنظار: كيف يشرعن الاستخدام المتعجل للذكاء الاصطناعي تفكيك الخصوصية؟»
الصورة: Brecht Corbeel / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

تبدو التحذيرات المتكررة من تمرد الآلات وسيناريوهات فناء البشرية مريحة لكبرى منصات التقنية، لأنها تحيل الخطر إلى مستقبل خيالي وتصرف الأعين عما يجري داخل مراكز اتخاذ القرار اليوم. في حوارها الأخير مع هيئة الإذاعة البريطانية، فككت ميريديث ويتاكر، رئيسة مؤسسة «سيجنال»، هذا الخطاب بوضوح؛ مؤكدة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قصص الأشباح التي يروجها المتحمسون لنهاية العالم، بل في الاستخدام المتهور لتقنيات غير ناضجة في مفاصل بالغة الحساسية.

الدليل الذي تسوقه ويتاكر ليس نظريا، بل يرتبط بوقائع ميدانية كشفت شبكة «سي إن إن» إحداها، حين اختلق روبوت دردشة تستخدمه الاستخبارات الأمريكية معلومة تزعم نقل سفينة صينية لمواد نووية، ما دفع واشنطن آنذاك إلى الاستعداد لتحرك عسكري. إن نظاما يختلق معلومات استخباراتية مغلوطة ويكاد يدفع دولتين عظميين إلى حافة الحرب لا يمكن تصنيفه ذكاء خارقا بأي مقياس. هذا التدافع نحو الاعتماد على مخرجات الآلة يعيد إلى الأذهان معركة ويتاكر عام 2017 ضد مشروع «مافن» داخل «جوجل»، حين حذرت برفقة آلاف الموظفين من اختصار دائرة اتخاذ قرار الاستهداف العسكري عبر خوارزميات تغسل البيانات المشوهة، قبل أن تلغي الشركة العقد وتتلقفه «بالانتير» لاحقا.

تصل ويتاكر هذا المسار مباشرة بالضربة الصاروخية الأمريكية التي استهدفت مدرسة في ميناب بإيران، مستندة إلى معلومات استخباراتية قديمة صنفت الموقع هدفا عسكريا. ورغم نفي «بالانتير» وجود دليل على خطأ برمجياتها وتأكيدها أنها لا تتحمل مسؤولية البيانات الأساسية أو القصور الاستخباراتي، مع تشديد مسؤوليها على بقاء الإنسان في حلقة القرار النهائي، فإن الواقع يثبت هشاشة هذا الضابط حين تتدفق مخرجات النماذج بسرعة تقلص هوامش المراجعة والتدقيق الفعلي.

الوجه الآخر للأزمة يبرز في ساحة الخصوصية والتشفير؛ ففي حين تخدم «سيجنال» ما بين 40 و70 مليون مستخدم مقابل مليارات يستعملون تطبيقات تجارية أخرى، تخوض المؤسسة نزاعا مفتوحا مع حكومات تسعى لفرض بوابات خلفية بذريعة حماية الأطفال والأمن. في أسبوع لندن للتقنية 2026، لوحت الحكومة البريطانية بإلزام الشركات بفحص المحتوى أو مواجهة تشريعات حاسمة، غير أن ويتاكر أكدت استعدادها لمغادرة السوق بالكامل بدل إضعاف التشفير، معتبرة أن تعرية بروتوكولات الأمان تعني تسليم أدوات الرقابة لاستهداف الأفراد والبيانات الحساسة.

هذا الاصطدام بين كفاءة النماذج الفعلية ومطالب الرقابة يعيد رسم الأولويات في غرف العمليات التقنية في الخليج ومصر والشام. الرهان التشغيلي على أتمتة المهام المعقدة يتطلب فرز التحقق الصارم عن التوليد السريع. فالمؤسسات الإقليمية التي تبني اليوم خطوط أعمال قائمة على نماذج الذكاء الاصطناعي في المصارف واللوجستيات والخدمات الحكومية لا تستطيع التعامل مع مقولة العنصر البشري في الحلقة كشعار إعلامي؛ بل كمنظومة محاسبة ملزمة تحمي السجلات من الهلوسة الخطيرة، وتمنع تآكل الموثوقية عند تداخل النماذج مع البيانات المؤسسية الحساسة.

المعركة الحقيقية على أرض الواقع لا تدور حول كائنات خارقة تسعى لاستعباد البشر، بل حول استعجال مؤسسي يفوض قرارات مصيرية لأنظمة ترتكب أخطاء بدائية في قراءة الوقائع. حماية البيانات وبناء جدران تدقيق مستقلة تمثل خط الدفاع الأساسي قبل إطلاق العنان للوكلاء في البيئات الحساسة. خطوتك المقبلة ليست الانجرار خلف نقاشات المخاطر الوجودية البعيدة، بل فحص سلاسل التحقق في برمجياتك، وضمان ألا يمر أي إجراء تنفيذي اعتمادا على استنتاج خوارزمي لم تثبت صحته بالتجربة القاطعة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد