تخطَّ إلى المحتوى

أكثر من 600 كابل بحري تديرها 4 شركات أمريكية: أين تقع بنية الخليج الرقمية في حسابات المضايق؟

شارك المقال
أكثر من 600 كابل بحري تديرها 4 شركات أمريكية: أين تقع بنية الخليج الرقمية في حسابات المضايق؟
الصورة: Steve A Johnson / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

خلف الشاشات ومراكز البيانات التي تستقبل مليارات الحوسبة المتقدمة، يمتد أكثر من 600 كابل إنترنت بحري نشط ومخطط له بطول يتجاوز 1.5 مليون كيلومتر حول العالم. هذه الشبكة الخفية، التي تمثل الجهاز العصبي الفعلي لتدفق البيانات، لا تخضع لإدارة موزعة أو محايدة؛ إذ تهيمن أربع شركات تقنية أمريكية كبرى، هي جوجل وأمازون وميتا ومايكروسوفت، على قرابة 75 بالمئة من ملكيتها وتشغيلها عالميًا.

هذا التركز الهيكلي يعيد صياغة العلاقة بين سياسات الذكاء الاصطناعي وبنية الطاقة والممرات البحرية؛ فبينما تعود الجذور التنظيمية لفتح القطاع للشركات المستقلة إلى قانون الاتصالات الأمريكي لعام 1996، تشهد الاستثمارات البحرية اليوم موجة اندفاع غير مسبوقة منذ خروج الإنترنت إلى الفضاء العام عام 1993. لم تعد الكوابل مجرد قنوات اتصال تجارية، بل تحولت إلى ركيزة في القرارات العسكرية والسياسية للدول الكبرى، وتداخلت مساراتها الجغرافية بصورة مباشرة مع خطوط نقل النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.

التحول الأبرز يتجلى في التداخل القسري بين تدفق البيانات وأمن المضايق؛ فالإجراءات التنظيمية، مثل قانون شفافية الاتصالات والتكنولوجيا الصادر عن لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) كتحديث لقانون عام 2019، وسعت قوائم حظر المعدات من أطراف تشمل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران. جاء هذا التحرك بالتزامن مع تضييق الحركة عبر مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لنقل النفط وبنية الكوابل البحرية التي ضخت فيها واشنطن استثمارات ضخمة. بالتوازي مع ذلك، يبرز التوتر حول مضيق باب المندب وساحل البحر الأحمر لحماية صادرات النفط التي استثمرت فيها بكين أربعة مليارات دولار لصالح أرامكو السعودية، بينما تحتفظ شركات أمريكية مثل أمازون ومايكروسوفت وآي بي إم، إلى جانب علي بابا الصينية، بحضور استثماري واسع في دول مجلس التعاون الخليجي.

محاصرة الطاقة والحوسبة في رقعة جغرافية واحدة تغير قواعد اللعبة. الاعتماد على مراكز البيانات لا ينفصل عن شبكات الغاز الطبيعي والوقود الهيدروكربوني التي تغذي الحوسبة وتستعين بدورها بخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحسين أدوات الحفر والتنقيب. وفي الخليج، حيث تتصدر السعودية والإمارات مشاريع السحب ومراكز البيانات الكبرى، بدأت استراتيجيات المنطقة تتجه نحو كسر التبعية الاستهلاكية؛ فالرياض، التي وقعت التزامًا استثماريًا تقنيًا ودفاعيًا بقيمة 600 مليار دولار، أطلقت عبر صندوق الاستثمارات العامة شركة «HUMAIN» المتكاملة رأسيًا لتطوير نموذج لغوي عربي ببنية حوسبة كاملة داخل أراضيها، ثم أعلنت شراكتها مع «Turing» الأمريكية لنشر الوكلاء البرمجيين، في مسعى صريح للتحول إلى مصدر للتقنية بدل الاكتفاء باستهلاكها.

السيادة لا تبدأ من طبقة التطبيقات والبرمجيات، بل من نقاط الإنزال وقاع البحر. ما يتغير عمليًا أمام المسؤولين التقنيين وصناع القرار في الخليج ومصر والمشرق العربي ليس مجرد تقييم تراخيص النماذج أو واجهات الاستخدام، بل حسابات الاعتمادية ومخاطر الاختناق الفيزيائي. إن أي فريق هندسي أو مؤسسة مصرفية تبني بنيتها الرقمية اعتمادًا على سحب هجينة باتت محكومة بمسارات كوابل تديرها أربع شركات مركزية وتمر عبر مضايق تشهد اضطرابات مستمرة. التكلفة الحقيقية لم تعد تقتصر على فواتير الاستدلال، بل تشمل التحوط لانقطاع السعات البحرية، وتسريع خطط توطين مراكز البيانات محليًا لحماية الولاية القانونية على البيانات ومنع شل الأنظمة الحيوية عند أي احتكاك جيوسياسي.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد