«كلاودفلير» تعترف بتسريب ذاكرة النماذج: كيف فضحت صفحات التخزين المؤقت بيانات المشتركين؟
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
كشفت شركة «كلاودفلير» عن ثغرة أمنية في منصة «ووركرز إيه آي» أدت إلى تسرّب بيانات حساسة بين حسابات المستخدمين وظهور نصوص برمجية تخص عملاء في إجابات عملاء آخرين، وذلك إثر خلل في إدارة عزل الذاكرة المشتركة لنموذج توليد الشيفرات البرمجية «جي إل إم 5.3» التابع لمؤسسة «زد دوت إيه آي». وجاء التحقيق بعد إخطار أمني قدّمه الباحث جادي إفرون من شركة «نوستيك» في الثامن من سبتمبر 2026 عبر منصة «هاكر ون»، حيث أكدت الشركة أن 155 استجابة تأثرت بهذا التسريب بين 27 أغسطس و9 سبتمبر، وجميعها استجابات لأوامر طويلة تجاوزت 681 ألف رمز رقمي.
يكمن أصل المشكلة في بنية الاستدلال الموزّع التي تعتمدها المنصة عبر محرك «إس جي لانغ» مفتوح المصدر. السرعة الفائقة تطلبت فصل معالجة السياق عن توليد الإجابة، حيث تتولى وحدات معالجة رسومية متخصصة قراءة مدخلات المستخدم وبناء ذاكرة المفاتيح والقيم، ثم تمريرها عبر شبكات الذاكرة المباشرة فائقة السرعة «آر دي إم إيه» إلى وحدات أخرى مخصصة لتوليد النصوص تباعًا. ولتحقيق أقصى كفاءة حوسبية، لا تقوم المحركات الحديثة بمسح صفحات الذاكرة وتصفيرها بين طلب وآخر، بل تترك البيانات السابقة ليجري استبدالها تلقائيًا بالبيانات الجديدة عند كتابة السياق الكامل، وهو ما حوّل أي خلل في إدارة ملكية صفحات الذاكرة إلى نقطة انكشاف كارثية.
تلاقى في هذه الواقعة خطآن تقنيان في آن واحد. تمثل الأول في خلل بتهيئة الخوادم، إذ أطلقت «كلاودفلير» النموذج بسياق معلن يبلغ 1,048,576 رمزًا، بينما لم تكن سعة مجمع الذاكرة المخصصة لوحدات القراءة الأولية تتسع إلا لنحو 681,280 رمزًا. ورغم علم المهندسين بهذا الفارق، فإنهم افترضوا أن المحرك سيتكفل برفض الطلبات الزائدة أو التعامل معها تدريجيًا، واعتمدوا في اختبارات الإطلاق على فحص رموز الاستجابة لبروتوكول الويب دون التدقيق في ترابط النصوص الصادرة ومحتواها. أما الخطأ الثاني، فكان ثغرة داخل منطق محرك «إس جي لانغ» نفسه عند معالجة الأوامر الفائضة في بيئة الخوادم المنفصلة.
عندما استقبل النظام أوامر تفوق سعة الذاكرة، قرر مجدول المهام رفضها واستبدال السياق الضخم برمز افتراضي وحيد لتفريغ الطلب دون استهلاك موارد المعالجة. غير أن طوابير القبول في خوادم التوليد كانت تفحص اكتمال الطلب وليس رفضه، فاعتبرت المهمة قائمة وأكملت إجراءات الحجز؛ حيث حجزت ثماني صفحات ذاكرة لكنها لم تتلق سوى صفحة واحدة جرى تحديثها، بينما بقيت الصفحات السبع الأخرى محتفظة ببيانات طلبات سابقة لمستخدمين آخرين. المحرك قرأ صفحات ذاكرة متروكة وأدرجها في مخرجات الطلب الجديد، معيدًا إجابة سليمة في ظاهرها وبسرعة غير مسبوقة، لكنها محملة ببيانات غرباء.
سارعت الشركة بعد تأكيد البلاغ إلى حجب النموذج خلال 40 دقيقة، ثم أعادت ضبط تخصيص الذاكرة ليتسع مجمع القراءة لنحو 2.04 مليون رمز، مما يمنع الوصول إلى مسار الرفض نهائيًا. وبالتوازي مع ذلك، قادت الشركة إصلاحًا برمجيًا في نواة محرك «إس جي لانغ» لرفض الطلبات غير المطابقة عند بوابات الدخول قبل إجراء أي حجز للذاكرة، وهي الترقيات التي أُدمجت في الإصدارات 0.5.20 و0.5.21 و0.5.22 من المحرك، مع دعوة كافة المشغلين إلى التحديث الفوري.
هذا الدرس التقني ينقل رسالة مباشرة إلى فرق البنية التحتية ومسؤولي الأمن السيبراني في الخليج ومصر والمشرق العربي. تتسابق المؤسسات المالية والجهات الحكومية في المنطقة اليوم نحو استضافة النماذج مفتوحة المصدر محليًا وتطبيق تقنيات الاستدلال الموزّع لخفض تكاليف الحوسبة وزمن الاستجابة. نجاح اختبارات الأداء وسرعة الاستجابة لا يعنيان تحقق الأمان، إذ يكشف الحادث أن الاعتماد على رموز النجاح العادية في بروتوكولات الخوادم قد يخفي تسرّبًا خطيرًا في عمق ذاكرة الرسوميات المشتركة.
يفرض هذا الانكشاف على المهندسين في مراكز البيانات الإقليمية إعادة تدقيق سياسات تدوير الذاكرة في محركات الاستدلال مثل «إس جي لانغ» وتحديث حزم التشغيل إلى الإصدارات الآمنة، إلى جانب وضع اختبارات صارمة لفحص اتساق النصوص وليس فقط مؤشرات الأداء. وفي ظل القوانين الصارمة لحماية البيانات الشخصية المعمول بها في السعودية والإمارات، فإن أي تسرب عابر بين الجلسات يضع المؤسسة تحت طائلة خرق السرية، مما يجعل حوكمة طبقة الاستدلال البرمجية ركيزة لا تقل أهمية عن تأمين بوابات الشبكة الخارجية.