نظام استهداف ذكي لتعقب الصواريخ: اختبار خوارزميات مافن الأمريكية أمام التضاريس والتمويه
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تراهن القيادات العسكرية اليوم على تقليص الفارق الزمني بين رصد الهدف وإطلاق النيران، غير أن نقل النماذج الخوارزمية إلى ميادين التضاريس الوعرة يضع البرمجيات المتقدمة أمام اختبارات بالغة التعقيد. فوفق ما كشفته شبكة «سي إن إن» نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، يستعين ضباط الجيش السعودي حاليًا بدعم من كوادر أمريكية متخصصة لتشغيل أداة استهداف ميدانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تشبه منظومة «مافن الذكية» التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية. ويشمل هذا التنسيق تقديم الدعم الاستخباري المباشر وتحديد الأهداف الميدانية، مع نشر ما بين 100 و200 عسكري أمريكي ضمن قيادة قوة مشتركة لمساندة العمليات ومواجهة التهديدات الصاروخية المتكررة.
تعود جذور هذه التقنية إلى «مشروع مافن» الذي أطلقه البنتاغون عام 2017، بهدف معالجة التدفق الهائل للبيانات الاستخبارية والاستطلاعية التي تجمعها الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة. وتعمل المنظومة على فحص ساعات طويلة من التسجيلات المرئية والصور الفضائية دون الحاجة إلى تدقيق بشري يدوي يستنزف الوقت، حيث تتولى خوارزميات الرؤية الحاسوبية فرز الأنماط ورصد الأهداف العسكرية المحتملة، مثل منصات إطلاق الصواريخ والشاحنات والآليات. وتدمج المنظومة تلك التدفقات في واجهة رقمية موحدة تتيح للقادة تقييم التهديدات وتحديد أولويات الرد السريع لحماية القواعد الجوية والمطارات ومنشآت الطاقة الحيوية.
ورغم قدرة المنظومة على تسريع التعرف على الأهداف، فإن الطبيعة الميدانية تفرض تحديات قاسية تعيق الحسم التقني. فوفق تقرير شبكة «دويتشه فيله»، تعتمد حركة أنصار الله الحوثية في اليمن على منصات صواريخ باليستية متحركة ومحمولة على شاحنات، فضلًا عن أسراب الطائرات المسيرة الصغيرة، وتتحرك بمرونة بين الوديان العميقة والتلال والممرات الجبلية الوعرة. هذه التكتيكات تتيح نقل السلاح وإخفاءه قبل اكتمال دورة الموافقة على الضربة، في حين تسهم العواصف الرملية المستمرة وتغير تضاريس الأرض واستخدام أهداف تمويهية خادعة في تشتيت الخوارزميات وخفض دقة المطابقة البصرية.
ولا تتوقف التحديات عند إفلات الأهداف المتحركة، بل تمتد إلى مخاطر التشخيص الخاطئ وسقوط ضحايا مدنيين. فقد أوردت «دويتشه فيله» واقعة استهداف سابقة أصاب فيها صاروخ أمريكي مدرسة في إيران متسببًا في مقتل قرابة 200 شخص معظمهم من الأطفال، وهي ضربة ارتبطت بعمليات استهداف عسكرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما سلط الضوء على عواقب الاعتماد على مدخلات استخبارية معيبة أو تقليص مراحل التدقيق البشري. وفي السياق ذاته، أكد الباحث المستقل أنتوني لوينشتاين للشبكة أن هذه الأدوات البرمجية، رغم قدرتها على رفع الكفاءة الإجرائية، لن تحقق نصرًا عسكريًا حاسمًا في بيئة قتال غير متكافئة، محذرًا من تبعات التسرع الآلي في إصدار أوامر القصف.
تسريع وتيرة الرصد لا يحل بالضرورة معضلة الحرب غير المتكافئة، وهنا يبرز البعد الاستراتيجي للمؤسسات المعنية بالدفاع والتقنيات السيادية في الخليج والمنطقة. التحول نحو دمج خوارزميات الاستهداف يغيّر خريطة الاستثمار العسكري، حيث لم تعد القوة تقاس بحجم المنظومات الصاروخية فقط، بل بكفاءة خطوط تغذية البيانات وقدرة نماذج التحليل على العمل وسط الضوضاء الميدانية. غير أن استمرار الاعتماد على انتشار ما يصل إلى مائتي خبير أجنبي لإدارة المنظومة يكشف أن السيادة التقنية في العمليات المعقدة تظل منقوصة ما لم توازها كوادر محلية قادرة على تطوير الشيفرات وتدريب النماذج على البيئات الصحراوية والمناخية الخاصة بالمنطقة.
إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى غرف العمليات يمنح الجيوش سرعة حيوية في اتخاذ القرار وإحباط التهديدات المباغتة، لكن الوقائع الميدانية تؤكد أن البرمجيات تظل أداة مساعدة عاجزة عن إلغاء احتكاك الجغرافيا والتمويه البشري. ويبقى العنصر البشري الواعي صمام الأمان الوحيد لضمان الدقة وتفادي الكوارث غير المحسوبة في بيئات الصراع المعقدة.