«داين آند أوردر» في مصر: بيانات المطاعم تضع نماذج الذكاء الاصطناعي أمام اختبار اللهجة المحكية
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
دخلت منصة تكنولوجيا المطاعم القطرية «داين آند أوردر» (DineNORDER) السوق المصرية ضمن استراتيجية توسع إقليمية أوسع، في خطوة لم تعلن الشركة معها أي أرقام تتعلق بحجم التمويل أو أعداد العملاء أو تاريخ الإطلاق الرسمي. تأسست المنصة في قطر عام 2023 على يد أحمد الكبيسي، وحظيت باحتضان «واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا»، وتشمل حزمة منتجاتها الطلب عبر الإنترنت، ونقاط البيع، والحجوزات، والتسويق، وإدارة المخزون، وتحليلات العملاء. وأوضحت مديرة المنتج في الشركة، أنيا ميسيفيتش (Anja Miscevic)، أن المنصة تتطلع لنقل أدواتها إلى السوق المصرية، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن في الجانب التوسعي المجرد، بل في نوعية البيانات اللغوية التي سيبدأ النظام في معالجتها يوميًا.
طبقة الطلبات في المطاعم هي المساحة التي تعيش فيها اللغة العربية اليومية. تتدرب معظم النماذج اللغوية على نصوص عربية فصحى ومصقولة مستقاة من الأخبار والمطبوعات الرسمية والموسوعات، وهي لغة منضبطة لا يستخدمها أحد تقريبًا عند طلب وجبة طعام. في المقابل، تواجه أنظمة المطاعم تدفقًا هائلًا من النصوص غير الرسمية: أسماء الأطباق كما يكتبها المستهلكون، والتعديلات والإضافات الخاصة، وتعليمات التوصيل التي تصف المباني استنادًا إلى المحال المجاورة، ورسائل الشكاوى المتأخرة، واختصارات العاملين داخل المطابخ. هذه النصوص قصيرة وغير مقيدة بقواعد النحو ومليئة بالأسماء الخاصة، وتتولد بكثافة يومية تفوق في قيمتها التدريبية جمع المزيد من النصوص الفصحى المكررة.
التعقيد الأكبر في هذه البيانات يكمن في عدم تجانسها الشديد، فالطبق الواحد قد يظهر بالحروف العربية، أو بالنقحرة اللاتينية، أو بنظام «عربيزي» الذي يدمج الحروف اللاتينية بالأرقام للدلالة على الأصوات العربية، وقد تصدر هذه التنويعات الثلاثة عن عميل واحد في ثلاثة طلبات مختلفة. معالجة هذا التشتت ليست مجرد مهمة ترجمة، بل هي عملية مطابقة وتوحيد للمسميات، وهو جهد غير استعراضي في هندسة البيانات يحدد قدرة المنصة على استخراج تحليلات يستطيع مدير المطعم اتخاذ قرارات بناءً عليها. والربط التجاري هنا يقوم على إيجاد مطابقة موحدة بين الكلمات التي يطلب بها الزبائن طعامهم والرموز الداخلية التي يستخدمها المطبخ لإعداد الوجبات، وامتلاك هذا الفهرس الموحد ينعكس فورًا على تحسين التوصيات وتوقعات الطلب وتنبيهات المخزون.
يمثل السوق القطري بيئة صغيرة وعالية القيمة وتغلب عليها الطبيعة الدولية، حيث تعتمد شريحة واسعة من قطاع المطاعم فيه على اللغة الإنجليزية، أو على عربية مبسطة تقترب من الفصحى لغياب لهجة مشتركة بين العمال والزبائن، ما يجعله موقعًا مريحًا لتطوير البرمجيات لكنه محدود الفائدة في تدريب النماذج على واقع الطلب العربي الفعلي. في المقابل، تعكس السوق المصرية واقعًا مختلفًا تمامًا، فهي سوق أضخم بكثير، وأكثر محلية وحساسية للأسعار، وتتم الطلبات فيها باللهجة المصرية العامية الأكثر فهمًا وانتشارًا في المنطقة بفضل عقود من الإنتاج الفني والتلفزيوني. المنصة التي تنجح في قراءة الطلبات المصرية بسلاسة تبني نظامًا قابلًا للتوسع في أسواق عربية متعددة، بينما تظل الأنظمة المقتصرة على بيئة الخليج غير قادرة على هذا الانتقال السلس.
تتيح المنصة حاليًا واجهة باللغتين العربية والإنجليزية، وتوفر مساعد محادثة آلي تطلق عليه اسم «فياض»، وهو ما يؤكد حضور العربية في واجهة الاستخدام، لكن الاختبار الحقيقي يرتبط بعمق هذا الحضور. وجود زر للتحويل إلى العربية هو مجرد تعريب للواجهة، أما بناء فهرس يتعامل مع زبون يكتب اسم الوجبة بثلاث طرق غير دقيقة في القاهرة فهو قرار يرتبط بهندسة البيانات نفسها. المحك الرئيسي ينحصر في ثلاثة مؤشرات: هل تصدر طبقة تحليلات العملاء تقاريرها بالعربية ومن مدخلات عربية مباشرة دون ترجمة مسبقة إلى الإنجليزية؟ وهل يتعامل المساعد «فياض» مع العامية المصرية بمرونة؟ وهل ستفصح الشركة عن منهجيتها في معالجة اللهجات؟
التحول إلى معالجة العامية في عمق البرمجيات يعيد صياغة القرارات التقنية في قطاع الضيافة الإقليمي. لمن يدير مطاعم أو يبني حلول برمجية في الخليج أو مصر أو بلاد الشام، يفرض هذا التمايز ضرورة التفرقة بين المنصات التي تكتفي بالتعريب السطحي للقوائم، وتلك التي تدمج معالجة اللهجات في محركات سلاسل الإمداد والتنبؤ بالمخزون. الربط الدقيق بين التعبيرات الدارجة وأكواد المطابخ يقلل نسب الهدر ويسرع التحليل التشغيلي، بينما يجد المطورون في المنطقة أنفسهم أمام حاجة متزايدة لبناء أدوات مطابقة وتوحيد للفهارس اللغوية قادرة على فهم لغة المعاملات اليومية بدقة وكفاءة.