أوروبا تعرض 10 مليارات يورو لبناء سبعة مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
مئة ألف شريحة متقدمة على الأقل في كل موقع، وسبعة مواقع مطروحة للبناء، و30 مليار يورو يراد جمعها بين المال العام والخاص. هذه ليست مواصفات مركز بيانات عادي، بل محاولة أوروبية لنقل السيادة التقنية من لغة الخطط إلى أرض تحتاج كهرباء ومياهًا ورقائق ومقاولين.
فتح الاتحاد الأوروبي الخميس باب التقدم أمام الشركات لبناء سبعة «مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي» (AI Gigafactories). ووفق تقرير أسوشيتد برس، يعرض الاتحاد والدول الأعضاء 10 مليارات يورو من التمويل العام، على أمل أن تجذب الحزمة 20 مليار يورو إضافية من الاستثمار الخاص. الفكرة هي إنشاء منشآت قادرة على تدريب وتشغيل نماذج متقدمة بحجم لا توفره البنية الأوروبية الحالية.
الرقم الكبير هنا ليس المال وحده، بل القدرة التي يشتريها.
ينص التصور على تجهيز كل مصنع بما لا يقل عن 100 ألف شريحة متقدمة للذكاء الاصطناعي. وتقول المفوضية إن هذه المنشآت ستكون أقوى بنحو أربع مرات من مراكز البيانات العاملة حاليًا داخل الاتحاد. لدى أوروبا اليوم شبكة من 19 مركزًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي تمتد من فنلندا إلى إسبانيا، لكن إضافة المصانع السبعة ستزيد قدرتها الحاسوبية الحالية إلى أكثر من الضعف.
هذا الفرق مهم لأن بناء نموذج متقدم لا يعتمد على الخوارزمية وحدها. يحتاج إلى وصول مستمر إلى الحوسبة والبيانات والطاقة، ثم إلى قدرة تشغيلية تسمح للباحثين والشركات باستخدامه بعد التدريب. عندما تكون هذه الطبقات لدى مزودين أجانب، تصبح الاستقلالية القانونية والسياسية أقل فاعلية مهما كانت اللوائح محكمة.
السيادة الأوروبية تبدأ من سؤال بسيط: من يستطيع تشغيل النموذج عندما تتغير السياسة؟
هذه هي العدسة الأوضح للقصة. الاتحاد لا يحاول فقط اللحاق بشركات أمريكية وصينية في سباق النماذج، بل يريد تقليل اعتماده على مزودي الحوسبة السحابية فائقة النطاق (hyperscale cloud). وينقل التقرير عن تقييم للمفوضية أن أكبر خمسة مزودين للخدمات السحابية في الكتلة شركات أمريكية، وأن هذا الاعتماد قد يعرض الاستخدامات الحساسة لمخاطر الوصول من دول أخرى أو انقطاع الخدمة.
لكن الخطة تكشف تناقضًا لا يمكن إخفاؤه داخل كلمة «السيادة». أوروبا لا تصنع حاليًا كثيرًا من المكونات المطلوبة لهذه المنشآت، كما أن الكهرباء فيها قد تكلف ضعفين أو ثلاثة أضعاف تكلفتها في الولايات المتحدة والصين. وحتى إذا امتلك الاتحاد المواقع والعقود وقواعد الوصول، سيظل محتاجًا في المدى القريب إلى شرائح متقدمة وسلاسل توريد تقع أجزاء حاسمة منها خارج حدوده.
البناء ممكن، أما فك الاعتماد الكامل فليس وعدًا قريبًا.
هناك أيضًا فاتورة محلية. مراكز البيانات الكبرى تستهلك كميات مرتفعة من الكهرباء والمياه المستخدمة في التبريد، وقد وقّع أربعون رئيس بلدية حول العالم في يونيو اتفاقًا للحد من أثرها في الموارد الطبيعية وأسعار الطاقة وأهداف المناخ. لذلك لن يكون نجاح المناقصة بعدد الشرائح فقط، بل بقدرة المواقع المختارة على توفير الطاقة والمياه من دون نقل الكلفة إلى السكان والصناعة.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا تقدم الخطة الأوروبية نموذجًا جاهزًا للنسخ، لكنها تقدم معيارًا مفيدًا للمقارنة. المنطقة تستثمر في مراكز البيانات والقدرة الحاسوبية، غير أن إعلان عدد الشرائح أو حجم الموقع لا يكفي لإثبات السيادة. الأسئلة الأصعب هي: من يملك البنية؟ من يضمن الطاقة؟ من يحصل على أولوية الوصول؟ وهل تستطيع الجامعات والشركات المحلية تحويل الحوسبة إلى نماذج ومنتجات ومعرفة قابلة للتصدير؟
قد تفتح المناقصة أيضًا مساحة لشراكات في الطاقة والتمويل وسلاسل التوريد مع دول قريبة من أوروبا، لكن هذا احتمال يحتاج إلى عقود فعلية قبل اعتباره مكسبًا إقليميًا. الدرس الأكثر ثباتًا هو أن الحوسبة أصبحت سياسة صناعية، وليست بندًا تقنيًا منفصلًا.
الخلاصة الصادقة: أوروبا اشترت لنفسها فرصة، لا ضمانًا.
إذا تحولت العشرة مليارات العامة إلى عشرين مليارًا خاصة، وبنيت المواقع في الموعد وبقدرة مستدامة، فستمتلك الشركات والباحثون الأوروبيون بديلًا أقوى داخل حدودهم. أما إذا تعثرت الطاقة أو التمويل أو توريد الشرائح، فقد تبقى المصانع عنوانًا كبيرًا فوق اعتماد قديم. ما بدأ الآن هو اختبار التنفيذ، والنتيجة ستقاس بالحوسبة المتاحة فعليًا، وبمن يستطيع الوصول إليها، لا بقيمة الإعلان وحدها.