شراكات مليارية بين الخليج وجنوب شرق آسيا لإعادة توزيع القوة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تتركز قدرات الذكاء الاصطناعي الشاملة اليوم في يد قطبين رئيسيين هما الولايات المتحدة والصين، اللتان أنتجتا معاً ثمانين نموذجاً بارزاً خلال العام الماضي. وتدير الولايات المتحدة وحدها 5427 مركزاً للبيانات، وهو ما يتجاوز عشرة أضعاف ما تملكه أي دولة أخرى. ومن بين ثلاث وثلاثين دولة تستضيف قدرات سحابية عامة للذكاء الاصطناعي، تنفرد واشنطن وبكين فقط بتشغيل تلك السحب عبر رقائق ومزودي خدمات محليين بالكامل، بينما يتوزع المشهد التنظيمي العالمي بين نهج أمريكي يعتمد على حرية السوق، وتنظيم أوروبي صارم، وتوجيه مركزي تقوده الدولة في الصين، ما يجعل بقية دول العالم أطرافاً متلقية للقواعد المفروضة.
في مقابل هذه الفجوة الهيكلية، تتحرك منطقتا الخليج العربي وجنوب شرق آسيا لبناء شراكة موازية تعيد توجيه موازين القوى عبر استغلال نقاط التكامل وتفادي محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل عند حافة النماذج المتقدمة بمفردها. تمتلك منطقة الخليج وفرة في رؤوس الأموال الاستثمارية ومصادر طاقة منخفضة التكلفة وقدرة على تدشين البنية التحتية بسرعة وحجم استثنائيين، حيث تضخ المملكة العربية السعودية 100 مليار دولار في الشركات الناشئة ومراكز البيانات عبر مشروع «ترانسندنس»، في حين التزمت دولة الإمارات بتخصيص 148 مليار دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، ومن ضمنها مجمع «ستارغيت الإمارات» بقدرة حوسبة تبلغ غيغاوات واحد وتكلفة تقارب 30 مليار دولار بالشراكة بين مجموعة «جي 42» وشركات «أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«سوفت بنك» و«سيسكو»، إلى جانب تطوير نموذج «جيس 2» المدرب على 600 مليار رمز باللغة العربية.
على الجانب الآخر، يقدم جنوب شرق آسيا سوقاً رقمية متسارعة النمو؛ إذ يُتوقع أن يتجاوز حجم اقتصاده الرقمي 300 مليار دولار من إجمالي القيمة الإجمالية للبضائع، مع توقعات بنمو سوق مراكز البيانات الإقليمية من 13.7 مليار دولار إلى 30.5 مليار دولار بحلول عام 2030. تتحول هذه الروابط الثنائية إلى مشاريع مؤسسية ملموسة قائمة على الصفقات المباشرة بين الدول والكيانات الكبرى، مثل الاتفاقية الإطارية التي وقعتها مجموعة «جي 42» في فبراير مع تحالف فيتنامي بقيمة تصل إلى مليار دولار لتطوير بنية تحتية سحابية وحكومية وصناعية وبرامج تدريبية للكوادر، مستفيدة من إقرار فيتنام لقانون مستقل للذكاء الاصطناعي واستضافتها لأكثر من ربع الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي بالمنطقة.
يمتد هذا التكامل الاقتصادي والاستثماري عبر عدة مسارات استراتيجية، منها استقطاب ماليزيا لاستثمارات في مراكز البيانات بقيمة 23 مليار دولار خلال عام 2024 واتفاقياتها مع الإمارات ضمن مبادرة «مدني للذكاء الاصطناعي»، إلى جانب اتفاقية شركة «مصدر» في يناير 2025 لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة في الفلبين بقيمة 15 مليار دولار، ومبادرة «مشروع إم بريدج» للعملات الرقمية العابرة للحدود التي تجمع الإمارات وتايلاند والسعودية، وصولاً إلى الإعلان المشترك للتعاون الاقتصادي بين مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» لدعم التعاون الرقمي المشترك.
تكتسب هذه الشراكات أهمية إضافية في ظل التوترات الجيوسياسية الإقليمية الأخيرة، حيث تفرض على القوى المتوسطة تنويع تحالفاتها وسلاسل إمدادها لتفادي الاعتماد المفرط على سوق تقنية واحدة. وتبرز نتائج أبحاث معهد الذكاء الاصطناعي لآسيا والمحيط الهادئ إمكانية توسيع هذه التحالفات نحو تجارب قطاعية مشتركة، بحيث تصبح دول جنوب شرق آسيا حقلاً لاختبار الشمول المالي والائتمان الرقمي للمشاريع الصغيرة، بينما يقود الخليج التجارب المتقدمة في رقمنة المحاكم والخدمات الحكومية وسلاسل الإمداد والطاقة، وبناء نماذج لغوية مخصصة للغات المنطقتين. إن القوى المتوسطة تثبت قدرتها على توجيه عوائد التقنية واختيار مواقع قيمتها الاقتصادية الحقيقية، حتى مع بقاء تصنيع الرقائق المتقدمة حكراً على واشنطن وبكين.