من الرياض والظهران: «إتش بي» تبدأ تصنيع حواسيب الذكاء الاصطناعي وتصدير أنظمة الوكلاء
بدأ التحول الصناعي والتقني في السوق السعودية يتجاوز مرحلة الإعلانات التأسيسية، مع انتقال مصنع شركة «إتش بي» في الرياض إلى مرحلة الإنتاج التجاري الكامل، بالتوازي مع تطوير حلول وكيلة للذكاء الاصطناعي من مركز أبحاثها في الظهران. الشركة العالمية لم تعد تكتفي بتوزيع العتاد المستورد، بل باتت تصنع أجهزة الكمبيوتر الشخصية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي محلياً وتشحنها إلى العملاء والشركاء، في مسار يستهدف دمج المنشأة ضمن سلاسل الإمداد العالمية للشركة، تمهيداً للتصدير الخارجي عبر الموانئ والمطارات المطورة في المملكة.
الرهان هنا لا يقف عند تجميع العتاد المادي، بل يمتد إلى توطين هندسة الوكلاء البرمجية وتطبيقات المعالجة الطرفية. ففي الظهران، يركز مركز التميز للبحث والتطوير التابع للشركة على حل مشكلات تشغيلية تواجه المؤسسات السعودية، مبتعداً عن النماذج النظرية المنعزلة. وأثمر هذا المسار عن أدوات متخصصة، أبرزها نظام «HP Agent One» القائم على الوكلاء لإدارة طلبات وحوادث تقنية المعلومات آلياً، الذي يدعم اللغة العربية ويعمل داخل البنية التحتية للمؤسسة لإبقاء البيانات الحساسة داخل النطاق المحلي. كما يطور المركز منصة «FlowMaster» التي تدمج التعرف الضوئي على المحارف بالذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط، لأتمتة فحص الوثائق والمعاملات والتحقق من الامتثال في الجهات الحكومية والرقابية.
هذه التطبيقات المطورة في الداخل السعودي بدأت بالفعل شق طريقها نحو التصدير، إذ بدأت الشركة استكشاف تشغيل منتجين من مركز الظهران في أسواق خارجية، من بينها إسبانيا، انطلاقاً من تشابه التحديات المؤسسية عالمياً. ويتكامل هذا التحرك مع إطلاق حاضنة «HP Garage 2.0» في الرياض لتحويل أفكار الشركات الناشئة إلى منتجات فعلية وربطها بالمصنع وشبكات التوزيع، فضلاً عن توسيع مبادرات التدريب عبر منصة «edX» وأكاديميات محلية، في توقيت تظهر فيه بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية وصول نسبة تبني الذكاء الاصطناعي بالمملكة إلى نحو 45 في المائة، وتجاوزها 50 في المائة لدى صناع قرار تقنية المعلومات.
ما نرصده في هذا التحول يمس مباشرة خيارات القادة التقنيين ومديري المشتريات في الخليج ومصر والمشرق العربي. إن كنت تقود بنية تحتية لمؤسسة مالية أو جهة حكومية، فإن توفر حواسيب ذكاء اصطناعي طرفية مصنعة إقليمياً يغير حسابات الامتثال وسيادة البيانات، إذ يتيح معالجة المهام محلياً على الجهاز دون الحاجة الدائمة إلى إرسال كل بايت إلى سحابات أجنبية، مما يقلص زمن الاستجابة ويحمي سرية السجلات. كما أن توفر حلول وكيلة تعمل محلياً يقلل فاتورة استدعاءات واجهات البرمجة السحابية الدولية المكلفة، ويفرض على فرق العمل تطوير كفايات متقدمة في دمج النماذج الهجينة وضبطها لتلائم اللهجات المحلية بدلاً من الاعتماد الأعمى على الحلول الجاهزة.
هذا المعطى يضع الشركات التقنية ومزودي الحلول المؤسسية في المنطقة أمام واقع تنافسي جديد، حيث باتت الشركات الدولية الكبرى تنافس على الأرض بمصانع محلية وبرمجيات مبنية لخصوصية قطاعات العمل الإقليمية. انتقال مركز الثقل من مجرد استهلاك تقنيات مستوردة إلى تصنيع الأجهزة وبرمجة الوكلاء وتصديرها يمنح السوق المحلي قاعدة صلبة، ويعيد تعريف ما تعنيه السيادة الرقمية حين تتحول إلى خطوط إنتاج تعمل وشحنات تخرج بانتظام.