استثمارات «هيوماين» تضع البنية التحتية على المحك: 15 مليار دولار لربط نماذج الحوسبة بشبكات الطاقة
افتتحت الرياض أعمال مؤتمر «ليب 2026» في مركز المعارض والمؤتمرات بملهم تحت شعار «نحو عوالم جديدة»، معلنة في يومها الأول عن صفقات وإطلاقات تقنية تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار، في خطوة تؤكد سعي المملكة إلى امتلاك مفاصل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدلا من البقاء في مقاعد المستهلكين. تتصدر شركة «هيوماين» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة هذه التحركات، بوصفها الذراع السيادية التي يقودها طارق أمين، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «أرامكو الرقمية»، لتنفيذ التزامات الحوسبة والطاقة ومراكز البيانات محليا.
المحور الأبرز في هذه الإعلانات تمثل في شراكة بقيمة 10 مليارات دولار تجمع «هيوماين» مع «إيه إم دي» و«سيسكو»، حيث دخلت أنظمة معالجات الرسومات Instinct MI355X ووحدات المعالجة المركزية EPYC مرحلة التشغيل الفعلي داخل السعودية إلى جانب شبكات Cisco Silicon One لخدمة عملاء الشركة. تخطط هذه الشراكة لنشر ما يصل إلى 250 ميغاواط من البنية التحتية للحوسبة بدءا من عام 2027، ضمن مسار يستهدف الوصول إلى غيغاواط كامل بحلول عام 2030، وهو ما ينقل الالتزامات من إعلانات المؤتمرات إلى عتاد حقيقي يبدأ بالعمل على الأرض.
بالتوازي مع ذلك، حددت «أمازون ويب سيرفيسز» موعد إطلاق أول منطقة سحابية لها في المملكة خلال ديسمبر 2026 باستثمارات تفوق 5.3 مليارات دولار، ووسعت تعاونها مع «هيوماين» لإنشاء أول «منطقة ذكاء اصطناعي» توفر قدرة تصل إلى 50 ميغاواط بحلول عام 2028، بالاعتماد على شرائح Trainium وبنية «إنفيديا» التحتية المخصصة لأعباء التدريب والاستدلال. كما تضع شركة «إكس إيه آي» خططا لنشر مركز بيانات بقدرة تبدأ من 50 ميغاواط وتتوسع نحو 500 ميغاواط في أول انتشار خارجي لنماذج «غروك» خارج الولايات المتحدة.
الفيصل الحقيقي في السيادة الرقمية ليس الإعلان عن النماذج، بل القدرة على تزويد مراكز البيانات بالطاقة وتأمين الربط الكهربائي الفعلي. وفي هذا السياق، أبرمت «الشركة السعودية للكهرباء» اتفاقية لتغذية مشروع مراكز بيانات «هيوماين» في منطقة سعد بالرياض عبر «الشركة الوطنية لنقل الكهرباء»، وهي الخطوة التشغيلية التي تجعل الحوسبة واقعا ماديا لا يقتصر على الرفوف والأجهزة الصامتة.
على صعيد النماذج، وضعت «هيوماين» نموذجها المسمى M3 في مرحلة معاينة محدودة عبر منصة Node، وهو نموذج بنظام خليط الخبراء يضم 428 مليار معلمة مع تفعيل 23 مليار معلمة لكل رمز، وخضع للتدريب على أكثر من تريليون رمز عربي، مع وعد بإتاحة أوزانه مفتوحة لاحقا. كما قدمت نظام Voice للتعامل مع العائلات اللهجية في السعودية ومصر والمغرب العربي والشام، محاولة سد فجوة الأداء التي تعاني منها الأنظمة العالمية في التعامل مع التنوع اللغوي العربي.
ينعكس هذا التحول مباشرة على واقع الأعمال في الخليج ومصر والشام، إذ إن توفير قدرات حوسبة واستدلال محلية بمئات الميغاواط يعيد تسعير تكاليف تشغيل النماذج للمؤسسات والبنوك وشركات البرمجيات الإقليمية، ويقلص الاعتماد على السحب الخارجية العابرة للحدود. يفرض هذا الواقع على الفرق التقنية المحلية اكتساب مهارات إدارة العتاد الهجين وتطويع أطر الاستدلال لتعمل بالتوازي على شرائح «إيه إم دي» وTrainium بدلا من الارتهان لبيئة تقنية أحادية، كما يضع المطورين أمام بنية سحابية داخلية تلبي متطلبات التوطين وتتيح بناء خدمات قائمة على الفهم اللهجي الفعلي.
يبقى الاختبار الأهم بعد انطفاء أضواء المعارض هو الفجوة الزمنية بين الجداول المعلنة والتسليم النهائي. فالمشاريع تتوزع على مدى زمني يمتد بين عامي 2026 و2030، والنجاح يقاس باستمرار العملاء في الدفع مقابل خدمات حوسبة وتشغيل حقيقية تثبت جدواها على المدى البعيد.