بين إعلانات المليارات والواقع التشغيلي: عقود الحوسبة في الرياض ترحل مواعيد التسليم الكبرى إلى 2028
اختتمت الرياض أعمال مؤتمر «ليب 2026» في ملهم، الذي تأجل عدة أشهر بسبب النزاع الإقليمي، بتسجيل التزامات استثمارية في الذكاء الاصطناعي قاربت 15 مليار دولار، لترفع الحصيلة التراكمية للمؤتمر عبر دوراته السابقة من 44.2 مليار دولار بإضافة تقارب الثلث في أسبوع واحد، بعدما سجل اليوم الثاني وحده أكثر من 2.5 مليار دولار في مراكز البيانات والتقنيات المتقدمة. غير أن القراءة المدققة لدفاتر التسليم والقدرات التشغيلية تكشف فجوة زمنية وتقنية تفصل بين توقيع العقود ودخول العتاد الفعلي إلى الخدمة.
أعلنت شركة «هيوماين» إطلاق سحابتها للذكاء الاصطناعي العاملة بأنظمة «إنفيديا إتش جي إكس بي 300» بقدرة تشغيلية بلغت 1.1 ميغاوات بمعدل استخدام يتجاوز 90 في المئة، مع خطة للتوسع إلى 35.1 ميغاوات بحلول 2027. القدرة المدشنة لا تمثل سوى نصف في المئة من الالتزام المعلن سابقاً، والذي نص على تشغيل 18 ألف مسرع «جي بي 300» بقدرة 100 ميغاوات في كل من الرياض والدمام بنهاية الربع الثاني من العام، وهو موعد انقضى منذ نحو ثلاثة عشر أسبوعاً، فضلاً عن أن المعالجات المتاحة حالياً تنتمي إلى فئة «بلاكويل ألترا» المستقلة وليست شريحة «غريس بلاكويل» الفائقة التي وُعد بها السوق.
تُظهر خارطة المشروعات أن معظم الالتزامات الضخمة مؤجلة التنفيذ حتى عام 2028 وما بعده. فرغم بدء أعمال البناء الفعلية في مجمع أوكساجون المشترك بين «داتافولت» و«هيوماين» لتشييد المرحلة الأولى بقدرة 100 ميغاوات من أصل 360 ميغاوات، فإن التسليم لن يبدأ قبل 2028. كما اتفقت «إيه إم دي» و«سيسكو» على إضافة ما يصل إلى 250 ميغاوات بدءاً من 2027 ضمن مسار يستهدف غيغاوات بحلول 2030، بينما أكدت «أمازون ويب سيرفيسز» إطلاق أول منطقة سحابية لها في ديسمبر 2026 مع تخصيص حتى 50 ميغاوات في أول منطقة ذكاء اصطناعي بحلول 2028، توازياً مع عقود حجزت فيها «توغذر إيه آي» 250 ميغاوات، وحصلت «إكس إيه آي» على أول مركز بيانات لها خارج الولايات المتحدة بقدرة تبدأ من 50 ميغاوات وتتوسع إلى 500 ميغاوات.
وعلى صعيد النماذج، كشفت «هيوماين» عن المعاينة البحثية لنموذج «هيوماين إم 3»، وهو نموذج لغوي عربي متقدم طوره مختبر «ميني ماكس» الصيني في هانغتشو بناءً على تكليف مباشر، ويعتمد بنية خليط الخبراء بحجم 428 مليار معامل ينشط منها نحو 23 مليار معامل لكل رمز، وجرى تدريبه مسبقاً على أكثر من تريليون رمز عربي، محققاً 89.37 في المئة عبر سبعة اختبارات عربية وفق تقييمات الشركة الذاتية غير المدققة خارجياً، مع توقع إتاحة أوزانه برخصة «ميني ماكس» المجتمعية الشهر المقبل، إلى جانب استعراض حاسوب «هورايزون ألترا» بالتعاون مع «كوالكوم» تمهيداً لطرحه المؤسسي في 20 سبتمبر، مع وعد بإطلاق نظام تشغيل مخصص في 2027.
تتزامن هذه التحولات مع تباين إقليمي ملحوظ، إذ اقتصرت تحركات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية بقيادة رأفت هندي على مباحثات استكشافية مع «هيكا داتا» وتحالف أمريكي لإنشاء مجمع حوسبة دون أرقام أو جداول زمنية، في حين يلتزم الجانب الإماراتي الصمت بشأن مستجدات المرحلة الأولى من مشروع «ستارغيت» بقدرة 200 ميغاوات مع تباطؤ في إجراءات التراخيص لدى مكتب الصناعة والأمن الأمريكي.
يفرض هذا التأجيل على مديري التقنية وفرق البنية التحتية في الخليج والمنطقة إعادة ضبط خطط التوسع؛ فالاعتماد على قدرات حوسبة فائقة محلية لن يكون متاحاً بالحجم المستهدف قبل 2028، ما يعني استمرار الاعتماد على السحب العالمية للاستدلال والتدريب الثقيل، أو التكيف مع قدرات الحوسبة المحدودة المتاحة حالياً، مع الانتباه إلى أن استراتيجيات السيادة التقنية باتت تعتمد عملياً على تطويع أوزان النماذج الصينية المتقدمة بدل بنائها بالكامل من الصفر محلياً.