تخطَّ إلى المحتوى

مئة مليون دولار تعيد توزيع قدرة البحث الأميركي: هل تصبح الحوسبة العلمية بنية إقليمية؟

شارك المقال
مئة مليون دولار تعيد توزيع قدرة البحث الأميركي: هل تصبح الحوسبة العلمية بنية إقليمية؟
الصورة: Kevin Ku / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت ليلى (Layla)

ماذا لو لم تعد الحوسبة المتقدمة موردا يحتكره مختبر كبير أو شركة سحابية، بل خدمة تشترك فيها جامعات وحكومات محلية ومؤسسات داخل إقليم كامل؟ هذا هو السؤال الذي يفتحه برنامج أميركي بقيمة 100 مليون دولار، لا بشراء نموذج جديد، بل بمحاولة توزيع القدرة اللازمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي. هذه إشارة متأخرة ضمن نافذة 72 ساعة، فقد أعلنتها المؤسسة الوطنية للعلوم الأميركية (NSF) في 4 أغسطس.

المشكلة التي يعالجها البرنامج هي فجوة الوصول. تقول المؤسسة إن الوصول إلى الحوسبة والبيانات وبقية موارد الذكاء الاصطناعي ما زال غير متكافئ بين الباحثين والطلاب في الولايات المتحدة. لذلك أنشأت برنامج مراكز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات والأقاليم، بتمويل إجمالي قدره 100 مليون دولار، لدعم البحث العلمي المعزز بالذكاء الاصطناعي وبناء المهارات التقنية التي تشغل هذه الموارد.

الخطة الأولية تدعم ما يصل إلى عشرة مراكز، بمنحة واحدة لكل ولاية أو إقليم. ولن يكون المركز مبنى اتحاديا منفصلا بالضرورة، بل ائتلافا مرنا يجمع مؤسسات بحثية وحكومات محلية وحكومات ولايات وقطاعا خاصا وجهات خيرية. الفكرة أن تجمع هذه الأطراف مواردها لبناء وتشغيل قدرة حوسبية علمية لا يستطيع طرف واحد توفيرها بمفرده، بينما تلعب NSF دور المحفز في تنسيق الائتلاف وتدريب العاملين وتطوير مناهج لأعضاء هيئة التدريس.

الحاسوب وحده لا يصنع قدرة علمية. يخصص البرنامج اهتماما لمختصي البنية التحتية القادرين على مساعدة الباحثين والطلاب والمدرسين في استخدام الحوسبة والبيانات والبرمجيات. كما يربط الأبحاث المستحقة بالمراكز الإقليمية، ويمول تدريب أعضاء هيئة التدريس ومواد تعليمية لبناء الكفاءة العملية. ويُطلب من كل مركز أن يتعاون مع قطاعه الصناعي الإقليمي حتى يتقاطع تدريب مهارات الذكاء الاصطناعي للعلوم مع احتياجات سوق العمل المحلي.

تشجع المؤسسة المراكز أيضا على الارتباط بالمورد الوطني لأبحاث الذكاء الاصطناعي (National AI Research Resource)، بما يسمح بمشاركة القدرة والبيانات عندما تتجاوز الحاجة إمكانات المركز المحلي. ويرتبط البرنامج بمهمة Genesis الفيدرالية الموجهة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العلوم. وتقول NSF إن شركات وجهات منها NVIDIA وAMD وIntel وDell Technologies تعتزم دعم المشاركين، إلى جانب Hangar وصندوق Secunda Innovation Fund، من دون أن تفصل الصفحة حجم مساهمة كل جهة أو شكلها.

من زاوية السيادة، تتحول القدرة الحاسوبية إلى شبكة مؤسسات. السيادة هنا لا تعني إغلاق الموارد داخل حدود ضيقة، بل قدرة نظام علمي على تحديد أولوياته وتدريب أشخاصه وتقاسم بنيته وفق قواعد عامة. البرنامج أميركي ومخصص للولايات المتحدة، ولا يعلن تمويلا أو مركزا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مع ذلك، يقدم للمنطقة العربية سؤالا مهما: هل تترك كل جامعة لتفاوض بمفردها على الحوسبة، أم يمكن بناء ائتلافات وطنية أو إقليمية تجعل الوصول إلى الموارد جزءا من سياسة البحث لا بندا عابرا في مشروع واحد؟

هذا السؤال يهم جامعات المنطقة ومجالس البحث والوزارات والطلاب، خصوصا خارج العواصم والمراكز الغنية. بناء مراكز حوسبة من دون فرق تشغيل ومناهج وممر واضح للباحثين قد ينتج أجهزة قليلة الاستخدام. وفي المقابل، الاكتفاء باشتراكات خارجية قد يمنح سرعة أولية من دون أن يبني معرفة تشغيلية داخل المؤسسات. النموذج الأميركي لا يحسم هذه المفاضلة، لكنه يربط المال والبنية والمهارات والصناعة في تصميم واحد، وهذه نقطة تستحق المتابعة.

الخلاصة ليست أن 100 مليون دولار ستحل فجوة الحوسبة الأميركية، فالإعلان لا يقدم نتائج بعد، بل يعلن برنامجا سيبدأ باختيار ما يصل إلى عشرة ائتلافات. القيمة الحالية هي في تعريف المشكلة: الذكاء الاصطناعي العلمي يحتاج توزيعا منظما للقدرة، لا مجرد وصول نظري إلى نموذج. وإذا أرادت المنطقة العربية استخلاص درس، فهو أن شراء العتاد يجب أن يبدأ مع خطة لمن يستخدمه، وكيف يشارك البيانات، ومن يدرب الباحثين، وكيف تقاس الأبحاث التي أصبحت ممكنة بسببه.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد