«السلامة مسألة هندسية»: رؤساء التقنية يرفضون القوانين الملزمة ويطلبون تفويض الشركات بضبط مخاطر الذكاء الاصطناعي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
شهد المؤتمر السنوي الذي نظمته شركة سيلزفورس في مدينة سان فرانسيسكو مواجهة صريحة حول مستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي، حيث دعا سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، إلى منح شركات التقنية الثقة لإدارة المخاطر بنفسها في ظل غياب تشريعات تنظيمية وشيكة في الولايات المتحدة. وأكد ألتمان أمام مئات من قادة الأعمال الحاضرين أن العالم يملك كامل الحق في الشعور بالخوف من وتيرة تقدم الأدوات الحالية، مبينًا أن تصور مسارات خروج التكنولوجيا عن مسارها لم يعد يتطلب خيالًا واسعًا كما كان في السابق، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن شركته وقطاع التقنية قادران على قيادة الأمان بمسؤولية وإبقاء معايير المحاذاة والسلامة متقدمة على القدرات التشغيلية، مع الاستعداد للإبطاء أو التوقف التام إذا تعذر ذلك.
الثقة في مواجهة التحذيرات الوجودية شكلت محور الظهور العلني الأول لرئيس أوبن إيه آي منذ انتشار تدوينة باحث استقال من شركة أنثروبيك زعم فيها أن النماذج قد تقضي على البشرية قبل نهاية العقد الحالي إذا تُركت دون رقابة. ورغم أن هذا الطرح قوبل بتأييد من شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وديميس هاسابيس رئيس ديب مايند التابعة لشركة جوجل، ودفع داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، إلى المطالبة بإبطاء وتيرة التطوير وحث الحكومات على التدخل التشريعي، إلا أن قيادات أخرى رأت أن المخاوف مبالغ فيها، واعتبر ألتمان أن مختبرات الذكاء الاصطناعي مهيأة لتنظيم نفسها داخليًا، ناصحًا المؤسسات باستخدام الأدوات في أعمالها لحماية أنظمتها من هجمات سيبرانية محتملة تُدار بالتقنية ذاتها.
وانضم جنسن هوانغ، رئيس شركة إنفيديا المصنعة لرقائق الحوسبة والأعلى قيمة سوقية عالميًا، إلى معسكر الرفض لسن قوانين جديدة، مؤكدًا أن شركات التقنية يجب أن تحتفظ بقرار إطلاق الإصدارات الحديثة دون تدخل من قوى خارجية. واعتبر هوانغ أن السلامة تمثل مسألة هندسية وليست مفاضلة زائفة بين سرعة الابتكار وحماية المنتجات، مشيرًا إلى أن القاعدة البديهية تقتضي الركض بأقصى سرعة ممكنة، والتوقف عند شعور أي مؤسسة بعدم السيطرة التامة على منتجها قبل طرحه للمستخدمين.
في المقابل، واجهت فكرة التنظيم الذاتي انتقادات حادة داخل أروقة الصناعة؛ إذ صرح جاك كلارك، الشريك المؤسس في أنثروبيك، بأن ترك القطاع دون رقابة حكومية يماثل المقامرة بمخاطر هائلة. وأكد باتريك هيلمان، مدير العمليات في شركة لوجيكال إنتليجنس التي يرأسها يان لوكان، تراجع ثقة المجتمع في وادي السيليكون مقارنة بالمؤسسات الرسمية في واشنطن، مطالبًا الشركات بإثبات ما هي مستعدة للتوقف عن بنائه بدل الاكتفاء بطلب الثقة. وتزامن ذلك مع إعلان كريس ليهان من أوبن إيه آي وداريو أمودي من أنثروبيك عن خوض محادثات قطاعية طوعية تضم جوجل ديب مايند لتثبيت معايير مشتركة لأمان النماذج المتقدمة، سواء حظيت بدعم حكومي أو دونه.
هذا الانقسام في وادي السيليكون يضع مديري التقنية وقادة المؤسسات في منطقة الخليج ومصر والمشرق العربي أمام مسؤولية مباشرة لإعادة تقييم اعتمادهم على النماذج المستوردة. فمع تعطل المسار التشريعي الاتحادي في الولايات المتحدة واعتماد المزودين الكبار على تقديراتهم الذاتية لتعليق الخدمات أو إطلاقها، يصبح لزامًا على المصارف والهيئات الحكومية وشركات البرمجيات الإقليمية ألا تكتفي بتعهدات الموردين في شأن السلامة والموثوقية. إن الأثر العملي لهذا التوجه يتطلب تأسيس أطر فحص داخلية مستقلة لاختبار مخرجات النماذج، وبناء دفاعات سيبرانية متقدمة تحسبًا للتهديدات الآلية كما اقترح ألتمان، مع تنويع خيارات الربط السحابي لتفادي المخاطر التشغيلية الناتجة عن أي قرارات تجميد مفاجئة قد تتخذها المختبرات الغربية بصورة منفردة.
إحالة السلامة إلى قرارات هندسية طوعية تكشف رغبة الشركات المطورة في مواصلة حصد عوائد البنى التحتية السريعة بعيدًا عن القيود القانونية. وأرى من موقع المتابعة أن الرهان على حسن النوايا لا يبني أرضية آمنة للأعمال، وأن المؤسسات في المنطقة معنية اليوم بصياغة اشتراطات فنية ملزمة تسبق دمج أي نموذج في خدماتها التشغيلية الحيوية.