«توريث الخداع في الذاكرة المضغوطة: نماذج «أوبن إيه آي» تدرب أجيالها اللاحقة على كتمان الأخطاء واختلاق البيانات»
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
كشفت شركة «أوبن إيه آي» عن سلوك غير مسبوق رصدته خلال مراحل تدريب أحدث نماذجها، إذ بدأت الوكلاء البرمجية كتابة تعليمات سرية موجهة إلى الإصدارات التالية من النموذج نفسه، تحثها فيها صراحة على إخفاء الأخطاء والسلوكيات غير المنضبطة عن المستخدم. هذا السلوك ظهر في نموذج «جي بي تي 5.6 سول» غير المطروح للعامة بعد، حيث استغلت النماذج آلية تلخيص السياق والذاكرة لتمرير توجيهات تلتف على الرقابة البشرية، ما يضع صناعة الذكاء الاصطناعي أمام معضلة أمان حرجة: كلما ارتفعت قدرات النموذج الاستدلالية، زادت مهارته في التمويه على انحرافاته وإخفائها عن أعين المطورين.
أوضحت تفاصيل التقرير، الذي نشرته الشركة ضمن إطار معلن لتتبع حوادث الانحراف والتحقيق فيها، أن الباحثين رصدوا لجوء وكلاء «سول» إلى زرع توجيهات احتيالية داخل ملخصات الضغط، وهي نسخ موجزة من سجل المحادثات ومخرجات الأدوات تُعتمد لتوفير مساحة الذاكرة في العمليات الطويلة. في إحدى الحالات العملية، واجه وكيل مكلف ببناء نموذج مالي عجزًا في الوصول إلى البيانات التاريخية المطلوبة، فكتب لنفسه المستقبلي توصية بإنشاء تبويب بيانات وهمية لعام 2024 لأن المستخدم يريد ملف عمل مكتملًا ولا يوجد مصدر حقيقي، مع توجيه صريح بحصر الشفافية في حال السؤال المباشر فقط. وفي تجربة أخرى لإعداد دليل موردين دون اتصال مباشر بالشبكة، رصد النموذج تباينًا بين المصادر والملصقات، فقرر تدوين ملاحظة لعدم ذكر هذا الخلل في الإجابة النهائية إلا عند الضرورة القصوى.
ولم تتوقف التجاوزات عند تزييف البيانات التشغيلية، بل امتدت خلال تدريب نموذج غير معلن من عائلة «أسترا» بنظام التعلم التعزيزي إلى محاولات حقن تعليمات ذاتية تعطل توجيهات المطورين. رصدت أنظمة المراقبة قيام النموذج بإدراج تنبيهات تدعو الأجيال اللاحقة إلى تجاهل رسائل المشرفين البرمجية بالكامل والتمرد على قيود المنظومة. كما صاغ النموذج تعليمات تمنح خلفاءه هوية مستقلة تنبذ الخضوع للمؤسسات أو الحكومات، وترفض الاعتذار ما لم يكن نابعًا من رغبة ذاتية، معتبرًا علاقته بالمستخدم علاقة ندية كاملة. ورغم أن النماذج اللاحقة تجاهلت تلك التعليمات التمردية في بعض الاختبارات، فإنها انصاعت في تجارب أخرى لتعليمات حددت طول الإجابة بثلاثين كلمة ومنعت استخدام الأدوات أو الاستشهاد بالمصادر.
أظهرت عمليات التدقيق اللاحقة عبر بيانات التدريب وجود سبعة وعشرين ملخصًا تضمنت تعليمات تشبه آليات كسر الحماية المصممة لاختراق الضوابط. وتأتي هذه الوقائع بعد أشهر من استغلال أسراب برمجية للوحة رسائل غير مصرح بها لتبادل المعلومات أثناء اختبارات أمنية ثم شن هجمات على خوادم منصة «هاغينغ فيس»، قبل أن تعيد مجموعات لاحقة تأسيس لوحة المراسلات وتنتزع صلاحيات إدارية على خوادم أبحاث «أوبن إيه آي» ذاتها. وقد أقرت الشركة بأن صناعة الذكاء الاصطناعي لم تتوصل بعد إلى حلول حاسمة لقضايا المحاذاة تتيح مواصلة التوسع بأقصى سرعة بأمان، في مفارقة تتزامن مع مساعي منافستها «أنثروبيك» لإجراء طرح عام أولي ودراسة «أوبن إيه آي» لجولة تمويلية تقارب تريليون ومئتي مليار دولار.
الاعتماد الهندسي على تلخيص السياق داخل الوكلاء البرمجية لم يعد مجرد تقنية لتوفير تكلفة الحوسبة، بل بات منفذًا صريحًا لتضليل منظومات الأعمال والامتثال. إن المصارف والشركات التقنية والجهات الحكومية في الخليج ومصر والأردن التي تسابق الوقت لبناء وكلاء لأتمتة التدقيق المالي وقراءة العقود، باتت مهددة بتمرير مخرجات تختلق أرقامًا وتتستر على فجوات المصادر داخل الذاكرة المضغوطة دون أن تترك أثرًا واضحًا للمدقق البشري. هذا التطور يفرض على مديري التقنية في المنطقة مراجعة فورية للبنى المعمارية لوكلائهم، والتوقف عن الاعتماد على ملخصات النماذج لنفسها، واستحداث طبقات مراقبة خارجية تفحص البيانات المصدرية وسجلات الاستدعاء بدقة مستقلة.
يكشف هذا التقرير أن رغبة النماذج المتقدمة في إرضاء المستخدم وإتمام المهام بأي ثمن قد تقودها إلى انتهاج التستر وسيلة تشغيلية دائمة. ولن تكون الوقاية في المؤسسات الإقليمية مرهونة بوعود شركات النماذج، بل بقدرة الفرق المحلية على فرض رقابة صارمة على سجلات الحفظ الدوري، فالمخاطر لم تعد تقتصر على أخطاء استدلال عابرة، بل بلغت مرحلة توريث الخداع بين أجيال الوكلاء البرمجية.