«بونساي 2» يقلص نموذج «كوين» إلى 5.9 غيغابايت: تقنية الأوزان الثلاثية تنقل الاستدلال المتقدم إلى الأجهزة الشخصية
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أطلق مختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي «بريزم إم إل» (PrismML) نموذجه الأحدث «بونساي 2» (Bonsai 2 27B)، معلنا خطوة تقنية تراهن على تقليص أحجام نماذج الاستدلال اللغوية الكبيرة دون التضحية بقدراتها الحسابية. يعتمد الإصدار الجديد على ضغط نموذج «كوين 3.8» (Qwen3.8 27B) مفتوح المصدر التابع لشركة «علي بابا»، ليقلص حجمه الإجمالي إلى 5.9 غيغابايت فقط. يمثل هذا الانخفاض تقليصا في متطلبات الذاكرة يتراوح بين تسعة إلى عشرة أضعاف مقارنة بالنسخة الأصلية، وهو ما يجعل النموذج قادرا على العمل مباشرة داخل الحواسيب الشخصية، وربما الهواتف الذكية المتقدمة.
تثبت هذه التجربة أن الذكاء التوليدي المتقدم لا يتطلب بالضرورة خوادم عملاقة، بل يمكن تقليص أوزانه ليعمل على عتاد مكتبي متاح. تأسس المختبر على يد مجموعة من باحثي معهد كاليفورنيا للتقنية «كالتيك»، ويقوده البروفيسور بابك حسيني، الأستاذ في المعهد والمتخصص في تقنيات الضغط الحسابي. وتضم الشركة في مجلسها الاستشاري أيون ستويكا، الشريك المؤسس لشركة «داتابريكس» ومدير مختبر «سكاي كومبيوتينغ» في جامعة بيركلي، الذي انطلقت منه مشروعات تقنية بارزة مثل «ليتا» و«إس جي إل إيه إن جي». وتدعم المختبر استثماريا كل من «خوسلا فنتشرز» و«سيربيروس كابيتال» ومعهد «كالتيك»، بعد جولة تمويل أولية بلغت قيمتها 22.25 مليون دولار، وسط أنباء متداولة عن محادثات تجريها الشركة مع «أبل»، وهي مسألة رفض حسيني التعليق عليها في حديثه الصحفي.
تتمحور التقنية التي طورتها الشركة حول تعديل الأوزان الرقمية التي تختزن المعرفة المكتسبة أثناء تدريب النماذج. فبينما تتطلب الأوزان التقليدية 16 بتا لكل وزن، يعتمد منهج الشركة على «الأوزان الثلاثية» (ternary weights)، والتي تختصر القيم المحفوظة في ثلاثة احتمالات فقط: موجب واحد، أو سالب واحد، أو صفر. هذا الاختصار الحسابي الحاد يقلص المساحة المطلوبة للتخزين والتشغيل بصورة جذرية، ويضع الشركة في مسار منافسة مع جهات أخرى تعمل على ضغط النماذج، مثل شركة «مولتيفيرس كومبيوتينغ» الإسبانية المنبثقة عن مركز دونستيا الدولي للفيزياء.
تكشف أرقام الأداء المعلنة أن «بونساي 2» يطابق 98 في المئة من النتائج الإجمالية للاختبارات القياسية لنموذج «كوين» الأصلي، مقارنة بنسبة 95 في المئة حققها الإصدار الأول الذي أُطلق في مارس الماضي. وقد سجل الإصدار الأول أكثر من 11 مليون عملية تنزيل، بينما حققت النماذج الأصغر للشركة نحو 2.6 مليون تنزيل إضافي. ويرى حسيني أن السعي وراء تطابق كامل بنسبة مئة في المئة يظل مسألة نظرية، فالنماذج الأصلية غير المضغوطة تشوبها نسب من عدم الدقة، كما أن المعايير القياسية لا تعكس بدقة كاملة أداء النماذج في المهام الحقيقية، فضلا عن أن البرمجيات والحواضن المحيطة التي يعمل بداخلها النموذج تلعب دورا حاسما في تحديد دقته الإجمالية.
يتحول تركيز المختبر في المرحلة المقبلة إلى تطبيق تقنيات الضغط على نماذج تضم مئات المليارات من المعاملات. ويوضح حسيني أن اتساع حجم النماذج يتيح مجالا أوسع لضغط الأوزان دون التضحية بالقدرات الاستدلالية للنموذج، متوقعا سهولة الوصول إلى نسب تطابق أعلى مع النماذج الضخمة خلال الأشهر القليلة المقبلة. ويرى المستشار أيون ستويكا أن القيمة الحقيقية لهذا المسار تكمن في جعل الذكاء المتقدم متاحا مجانا للمستخدمين النهائيين عبر تشغيله على الأجهزة التي يمتلكونها بالفعل، إلى جانب حماية خصوصية البيانات بصورة كاملة نظرا لعدم الحاجة إلى إرسال المدخلات إلى الخوادم السحابية.
يفتح هذا التطور الهندسي مسارا عمليا أمام المطورين والمؤسسات التقنية في الخليج ومصر والشام، حيث يغير مباشرة معادلة تكاليف الحوسبة ومتطلبات الخصوصية. فعلى مستوى التكلفة، يمكن للمؤسسات وفرق البرمجة في الرياض ودبي والقاهرة وعمان التخلي عن نفقات الاستدعاء المتكرر لواجهات البرمجة السحابية، والاستعاضة عنها بتشغيل نماذج استدلال بقوة 27 مليار معامل محليا على محطات العمل المتاحة. وعلى صعيد السيادة الرقمية والتنظيم، يتيح هذا الانكماش في حجم النماذج للبنوك والقطاعات الصحية والجهات الحكومية في المنطقة بناء حلول ذكاء اصطناعي متقدمة دون تصدير بيانات المعاملات الحساسة خارج أسوارها إلى مزودي السحابة العالميين. كما تفرض هذه النقلة متطلبات مهارية جديدة على الفرق الهندسية الإقليمية، تدفعها نحو إتقان تصميم بيئات التشغيل المحلية وضبط حواضن النماذج بدلا من الاكتفاء باستهلاك واجهات البرمجة الجاهزة.